
إلى أمّي
إلى أمّي…
الوجه الآخر للغياب
توطئة؛
الأمّهات لا يرحلن كما نظنّ،
إنّهنّ فقط يغيّرن مكان الحراسة..
كغيمةٍ تلتقي ظلَّها
من جهةٍ أخرى.
ـــــــ
أمّي
لم تكن تحزنُ
أو تبكي كما نفعل،
كانت تنام واقفةً داخل الوقت،
تترك البابَ مواربًا دائمًا..
كأنّ أحدًا
سيعود متأخّرًا،
أو أنّ الغياب
يحتاجُ منفذًا
كي لا يختنق.
الرّائحةُ الّتي تشبهُ دفءَ اليدين
ما زالتْ عالقةً
في تجاعيد الحنين،
وفي مفاصل قبلاتها،
المؤدّية إلى سحر الحكايات.
وحين تضحك أمّي…
يسترخى حزن بعيد،
وتولد أنهار لا تعرفها الجغرافيا.
ربّما لم ترحل،
أحدّث نفسي
وأربّتُ على وجعي النّائم هناك،
هي غابت قليلًا…
حيث لا لغةَ تكفي، يا أمّي
ولا دمعة تعثر على طريق
شارد مثلي..
أمّي الّتي وزّعتْ قلبَها بيننا
بالتّساوي،
على احتمالاتٍ
يضيئها قمرٌ حزين،
ثمّ جلستْ
تحصي نجومًا بعيدة
تناديها بأسمائنا..
واحدًا.. واحدًا
كي لا يضيع الغائبون في العتمة.
كأنّها
حقلُ وجعٍ
ينبتُ أبناءه مثل أزهار الصّباح
ثمّ تخبّئ أمنياتهم الصّغيرة
في جيب دعائها
كي لا يبردوا
كلّما مرّت بقلب البيت،
تُعلّق اللّيلَ على كتف الصّبر،
تجمع أصواتنا المتناثرة
وندوّب الحنين.
وحين نخلعُ أعمارَنا المتعبة،
تُبطئُ الفقد
كضوءٍ مكسورٍ
يتسرّب من شقوق الحزن،
وتمهله
أن يتأخّر قليلًا..
قليلًا فقط،
لا أكثر..
ريثما نكبرَ بما يكفي،
نعيد ترتيب النّجوم على شكل ابتسامتها،
فكلّما ضاقت بنا الطّرق،
تضيئنا وصايا نبوءاتها.
نحنُ الّذين
كنّا نجهلُ شكلَ الحزن،
ألبستْنا إيّاهُ
كما تُدثّر أمٌّ صغارَها أوّلَ شتاء.
ومنذ ذلك الحين،
صرنا
نمشي كالأنبياء …
على أطراف وصاياها
كي لا يسقطَ منّا أحد.
وكأنّها دائمًا هناك
تنتظرنا على الجهة الأخرى من الوجع،
أمّي—
تلك الرّسولة
الّتي تحرس ما تبقّى منّا
مرّةً تلو الأخرى.
برمنجهام
منى محمّد صالح











