
بقعــــــة ضــــــوء ..جوهـــر وجــود الانســــان بين الاســـتعباد العقلي واحتلال الاوطان
بقلــــــم
لميـــــاء بودوخــة
عاشت الشعوب والدول والحضارات التي سادت ثم بادت حقبا متواترة من بدء نشوئها وبنائها الحضاري ثم ضعفها وهوانها او اقصائها واحتلالها من قبل قوى اخرى امتازت عنها بالقوة والسطوة ، والتي فرضت عليها هيمنتها العسكرية واستباحت ثرواتها وارضها ومقدّراتها .
وقد عرف تاريخنا المعاصر اشكالا عدة من الاحتلال وفرض الهيمنة والوصاية على الكثير من الدول وخاصة ما بين الحربين العالميتين الاولى والثانية ..
غير ان الاكثر والاعمق خطورة من هذا النوع من الاحتلال هو ما يتركه الاحتلال من غزو غير منظور الا وهو غزو عقول الناس ومحاولة سلب هويتهم التاريخية والفكرية والعقدية وهو ما يمكن تسميته بالغزو الفكري ، والذي تتعدد صوره واشكاله واساليبه وادواته .
فالغزو الفكري يمثل فرض وصاية على عقول الناس ومحاولة محو حريتهم الفكرية وتكبيلهم الى جهة او مؤسسة دينية او معتقدٍ مذهبي كما في طقوس المعتقدات والاديان غير السماوية او الى رجال كهنوت يستعبدون الناس ومصادرة مساحاتهم العقلية والمفاهيمية لخدمة مصالحهم الذاتية او مصالح الطبقات الحاكمة ولعل الحروب الصليبية في العصور الوسطى خير شاهد على هذا ..
الانسان في تكوينه النفسي وغريزته مدفوع لايجاد الهة يتعبدها ويشعر بالامان في اللجوء اليها وان كان نوعا من الايهام المبرر فقد اختار الشمس والقمر والشجر والماء والنار والاصنام والاوثان من الحجارة وغيرها ، ورغم انه هو من اختار او صنع هذا الالهة المزعومة الا انه انقاد طواعية ليرضخ تحت استعباد الكهنة والسدنة ومن يمثلون وكلاء هذه الالهة .
يقول المفكر الفيلسوف مالك بن نبي : ” اذا غابت الفكرة ، بزغ الصنم ”
اشارة الى الجمود والركود الفكري والعقلي السليم المبدع والمفكر وهو مدعاة لظهور مساحة فارغة من اللاشيء ليظهر من يستبيح عقله وكله ويقوده كما تقاد البهائم في ظل تغييب العقل والفكر .
وقد لجأ الاستعمار بكل اشكاله الى اعتماد هذا النوع الاخطر من الاحتلال الفكري بعد دراسات العديد من المستشرقين والذين نجحوا في محاولات الاختراق وحملات التشويه والتضليل الى رفد الاحتلال بما يهمل على محاولات سلخ الشعوب عن هويتها وانتمائها وتاريخها ، والعمل على فرض افكار وسلوكيات المستعمِر وتأجيج النزاعات والاختلافات الطائفية والعرقية والأثنية وتحريض الاقلية على الاكثرية وزرع الفتن بكل اشكالها وتنوعاتها .
فالغزو الفكري هو التضارب واختلاف الافكار والايديولوجيات والمفاهيم بين المستعمِر والمستعمَر والتي تستخدمها الدول او المنظمات والمؤسسات لدعم وتعزيز مصالحها ، والتي انصبت على اخطر مرتكزاتها وهي الدين واللغة والتاريخ .
كما ان من انواع الغزو والاحتلال العقلي والفكري ما يقوم به المنتفعين واصحاب المصالح العليا كرجال الكهنوت الديني او السياسي لتبقى مصالحهم قائمة على تقوية العقلية البدائية لدى الناس او افراد الطائفة والمعتقد .. في كتابه تاريخ الحضارة يقول المؤرخ ارنولد توينبي : ” ان الصفة الرئيسية التي تميز المدنية عن الحياة البدائية هي الابداع ، فالحياة البدائية يسودها التقليد ، بينما الابداع يسود حياة المدنية … فالاساس الذي تقوم عليه المدنية هو ، الكدح والشقاء والمعاناة ”
هذا ما يعود بنا الى استنهاض عظمة الرسالة المحمدية والتي قادها الرسول الاعظم محمد صلى الله عليه وسلم الذي نقل الانسانية من ظلام البدائية والاستعباد العقلي الى نور الايمان والعقل السليم والمدنية القويمة .
وفي هذا الصدد ايضا يقول المفكر وعالم الاجتماع الدكتور علي الوردي في كتابه : مهزلة العقل البشري : ” وحب التقليد الذي جعل البشر يعيشون عيشة بدائية على مدى ثلاثمائة الف سنة ”
ويقول الاديب الكاتب عباس محمود العقاد في كتابه ” افيون الشعوب ”
” تعوّد بعض الناس ان يعطّلوا عقولهم عند وزن الكلام الذي يعرض عليهم ، فهم لا يزنونه بميزان النقد والعلم والخبرة الصادقة ، ولكنهم يتركون حقائق الاقوال ويغترّون بمظاهر القائلين .. لهذا جاء في المثل السائر : ” انظر الى ما قيل ، لا الى من قال ..””
فقد يستلب عقول وقلوب الناس رجلا وجيها او غنيا او معمماّ او احد مشاهير الفكر والثقافة فتؤخذ اقوالهم منهجا ودستورا دون التحليل والتفكير بالقول فينقادون اليهم انقياد الانعام بل هم اضلّ .. ومما يؤسف له ان ممارسة هذا النوع من الاستعباد العقلي والفكري يكثر في بعض ادعياء علوم الدين والنخب الثقافية ، وليس بالغريب ان نجد كاتبا كتب مقالين او ثلاث او الّف كتابا او كتابين حتى نراه يمشي مختالا كالطاؤوس ولسان حاله يقوله احرقت نفسي كشمعة لأضيء دروب الناس وكأنه منقذ هذه البشرية من ظلمة الجهل ، وهذا يدفعه لنقض اي فكر يناقض فكره ولا يتوانى في الدفاع عن فكره بأبشع اساليب البدائية الفكرية والنفسية ..
وان كانت هذه الظاهرة بخطورتها وتوسعها بين مفردات وتفاصيل مجتمعاتنا قد بلغت ما بلغت ، فلابد من استنهاض العقول وتوسيع المفاهيم للبدء بالكدح والشقاء والمعاناة للقضاء عليها وتنقية البناء الحضاري والمدنية واعادة تحرير العقول من اطر وقيود الاستعباد العقلي بكل اشكاله فأن ( غابت الفكرة ، بزغ الصنم ) واستفحل حتى يكون ماردا وطوفانا عارما .
رفعت للتصميم













