تَعَانُقُ يَدَيْنِ

هيام حسن – مصر

وَقَفْتُ بِجِوَارِهَا ـ امْرَأَةٌ ثَلَاثِينِيَّةٌ تُمْسِكُ بِيَدِ ابْنِهَا الصَّغِيرِ ـ أَتَرَقَّبُ خُلُوَّ الطَّرِيقِ مِنَ الْمَرْكَبَاتِ الْمُسْرِعَةِ؛ لِأَعْبُرَ إِلَى الْجَانِبِ الْآخَرِ، فَقَدْ زَادَتْ حَوَادِثُ السَّيْرِ فِي هَذَا الطَّرِيقِ الرَّئِيسِ الَّذِي يَقْسِمُ الْبَلْدَةَ نِصْفَيْنِ، بَعْدَ تَوْسِعَتِهِ بِالْجَوْرِ عَلَى الْمَسَاحَاتِ الْخَضْرَاءِ الْكَبِيرَةِ الَّتِي كَانَتْ تَتَوَسَّطُهُ.

نَظَرَتْ إِلَيَّ وَطَلَبَتْ أَنْ تَعْبُرَ مَعِي لِخَوْفِهَا، فَوَجَدْتُنِي أُمْسِكُ يَدَهَا؛ لِأُطَمْئِنَهَا، وَلِكَيْ لَا تَبْتَعِدَ خُطْوَتُهَا عَنِّي.

وَانْتَظَرْنَا مُرُورَ الْمَرْكَبَاتِ الَّتِي تَتَدَفَّقُ بِأَرِيحِيَّةٍ وَسُرْعَةٍ بَعْدَ تَوْسِعَةِ الطَّرِيقِ لَهَا، كَمَا انْتَظَرْتُ مُرُورَ الذِّكْرَيَاتِ الَّتِي تَدُورُ بِرَأْسِي وَتَهْجُمُ عَلَيْهِ كُلَّمَا وَطِئَتْ قَدَمَايَ هُنَا.

أُحَاوِلُ مُقَاوَمَةَ تَدَفُّقِ صُوَرِ اللَّهْوِ وَالْمَرَحِ فِي تِلْكَ الْحَدَائِقِ الصَّغِيرَةِ الْبَائِدَةِ، قَبْلَ أَنْ تَتَحَوَّلَ إِلَى أَحْوَاضٍ مُشَجَّرَةٍ مُحَاطَةٍ بِأَسْيَاخٍ حَدِيدِيَّةٍ عَالِيَةٍ، جَعَلَتْهَا أَشْبَهَ بِالْأَمِيرَةِ الْمَسْجُونَةِ.

مَلِلْتُ الِانْتِظَارَ وَأَنَا أَتَنَفَّسُ هَذَا الْأُوكْسِجِينِ الْمُلَوَّثَ بِتِلْكَ الْعَوَادِمِ اللَّعِينَةِ، وَسَئِمْتُ هَذَا التَّحَضُّرَ الْمُتَخَلِّفَ وَالتَّقَدُّمَ الرَّجْعِيَّ فِي بَلْدَةٍ فَقِيرَةِ الْحَظِّ، فَلَا شَاطِئَ يُرَطِّبُ رِيقَهَا، وَلَا مَجْرَى نَهْرٍ يُبَلِّلُ تُرَابَهَا.

وَقَفْنَا فِي مُنْتَصَفِ الطَّرِيقِ ـ كَمَا وَقَفَتِ الذِّكْرَيَاتُ وَالْأَفْكَارُ فِي مُنْتَصَفِ رَأْسِي ـ نَتَحَيَّنُ فُرْصَةَ الْعُبُورِ الْآمِنِ.

وَعِنْدَمَا هَمَمْنَا بِالسَّيْرِ، اصْطَدَمَتْ قَدَمِي بِشِدَّةٍ بِمُنْحَدَرٍ أَسْفَلْتِيٍّ أَهْمَلَ الْمَسْؤُولُونَ إِصْلَاحَهُ، فَانْحَنَى جِذْعِي كُلُّهُ إِلَى الْأَمَامِ، وَكِدْتُ أَصْطَدِمُ بِدَرَّاجَةٍ بُخَارِيَّةٍ مَرَّتْ أَمَامِي، لَوْلَا أَنَّهَا قَبَضَتْ عَلَى يَدِي الَّتِي تُعَانِقُ يَدَهَا بِشِدَّةٍ، فَأَعَادَتْنِي قَبْضَتُهَا إِلَى اسْتِقَامَةِ ظَهْرِي.

رفعت للتصميم