
بمحرابِ عشقي سَكَنْتَ
أيَا عزيزَ عَيْنِي ، ها أنا ألعنُ تلكَ المسافاتِ التِّي تَحُولُ بيني وبينكَ ، وأنا المسافرةُ إليكَ عَبْرَ مَجرَّاتِ الألمِ من حِمَمِ الأنينِِ الي عتباتِ اللَّوعةِ والحنينِ ، أَحِيّكُ ثوبًا لقصائدي لتلتحفَها عيناكَ في متاهاتِ الغيابِ ، وأطرِّزُها بمشاعرِ الشَّوقِ حولَ عُنقِ مسافاتٍ لا تستحي خجلًا لأنَّاتِ مَن سلكوا دروبَ العاشقين ، وفي قاعِ روحي أنينٌ لبقايا من شجونٍ وأحاديثَ السَّحرِ ، أيَا رَجُلي وسيِّدي ها أنا أمسيتُ عنوانُكَ ، مكانَ انعزالكَ ، روايتَكَ الهادئةَ من ضجيجِ العالمِ وصخبٍ بلا عطلةٍ ولا فَناءٍ ، صندوقُ بريدكَ الذي يكتنزُ رسائلي ، أيَا حبيبي وسيِّد قلبي ونديمي ، أنا الحَائطُ الأبكمُ الذي شهدَ لحظةَ اعترافكَ بأصولِ شجرةِ العشقِ التَّليدةِ التِّي طالما قَصَصْتَ عندها حكاياكَ وتاريخَ قصائدكَ وميلادَ قصصِ حُبِّكَ المُبْتَسِرةِ ، وغصنٌ تدلَّى منها ، يسخرُ منكَ بألسنةٍ حدادٍ ، اعتادتْ مقاومةَ غدراتِ الخريفِ ؛ هل من مزيدٍ ؟ وعبارةٌ محفورةٌ على جذعِ تاريخِ العشقِ تعاوِدُها في كلِّ إخفاقِ حُبٍّ لتنقشَ تاريخًا جديدًا بجوارِ ” لا ضيرَ إن خانني الحُبُّ ، فقد ربحتُ قصيدةً ! ” ها أنا صندوقكَ الأسودُ الذي يضمُّ كلَّ حكاياكَ ، وأسرارَ هواك َ، كأمٍّ رؤومٍ تسمعكَ بكلِّ حواسِها ، تنصتُ إليكَ عشقًا وشفقةً وغيْرةً مكتومةً وحنينًا يبتلعُ خيباتِكَ ، زلَّاتِك ، حماقاتِكَ ، ودموعَ هزائمِكَ وانتصاراتِكَ الصَّغيرةَ وغزواتِ طيشكِ التِّي تتعطَّشُ كلَّ يومٍ لإبحارٍ جديدٍ ، أنا أنثاكَ التِّي عشقتكَ بكلِّ ما فيكَ من تناقضاتٍ وحماقاتٍ ونزقٍ وجنونٍ ، وأعلمُ أنَّكَ في كلِّ ليلةٍ لا مأوى لكَ سوى حِضني وسادةً تُخبِّئُ بها دموعَ خيباتِكَ وتكتبُ عليها معاهداتِ توبةٍ تنهارُ – كعادتكَ – حينما يُشعِلُ الفجرُ في ليلتنا الحريقَ ، وأنا بديوانِ العشقِ منارةٌ يغبطني عليها نساءُ العالمين ، أنا أنثاكَ التِّي لم تكتبْ إلَّا فيها ولها ، وأنا مُلهمتكَ الوحيدةُ ، واسمي منقوشٌ بمدادِ روحكَ على جذورِ أقدمِ شجرةِ تاريخٍ للعشقِ ، محفورٌ على ساقها الممتدُّ كقامتي إلى عنقِ السَّماء ِ… نعم هي أنا ، بياضُ أواراقكَ ومحبرتكَ ، تخطُّ كتاباتكَ المُهداةَ لكلِّ صريعِ عشقٍ وهاوٍ بطريقِ غوايته الأليمِ ، أنا النَّصُّ العَصيُّ عن الفهمِ والتَّأويلِ ، النَّصُ الذي لا يريدُ أن ينتهي منكَ ، أيُّها العاشقُ المتناثرُ فوق ينابيعَ قلبي ، اقرأْ حروفي بعنايةٍ تفوق اعتنائك بأسفاركَ وإدمانكَ لفضِّ بكارةِ الحرفِ والقصيدِ ، فأنا وحدي مَن يكتبُ لكَ إلهمًا وعشقًا كفجرٍ صادقٍ ، وفي كلِّ سطرٍ من سطوري إليكَ حبٌ خالدٌ وعشقٌ لا يُوزنُ بميزانِ الجواري والإماءِ ، فميزانُ أنثاكَ يا رَجُلي تطيشُ عليه كلُّ صحائفِ الوهمِ والزيفِ ولا يصمدُ أمامه كلُ فجرٍ كاذبٍ ، لا تُبنى عليه أحكامُ العشقِ ، ولا تصحُّ معه صلاةٌ بمحرابِ العاشقين ، أيَا فتنةَ روحي وسرَّ شقائي وترياقي ، وهلاكي وطوْقَ النَّجاةِ ، ها أنا وحدي مَن يعزفُ بحرفيةٍ شديدةٍ مزاجيتَكَ ونزقكَ وحِممَ جنونكَ ، ففي كلِّ وترٍ نبضٌ لكَ لا يتوقَّفُ ولا ينثني ، أنا مَن حَمَلَ إليكَ أنهارُ الحنينِ بلا امتناعٍ ولا حرمانٍ ، أمتطي صهوةَ جوادِ القصيدةِ ، وأرمحُ كخيّالٍ بدون سرجٍ لتنقلني لمستعمرةٍ أستأنسها بلا مللٍ ولا خضوعٍ لإغراءاتِ الهجرةِ والرَّحيل ِ ، بتنهيدة شوقٍ أقفُ ببابكِ مكبلةً ، أسيرُ خلفَ ظلَِّكَ الوارفِ ، كأيقونةِ تمرُّدٍ لا تعترفُ بمقياسَ الأعوامِ والسِّنين ، وإذا بكَ كعاتكَ التِّي أنت تتقنها ، تتكاثرُ في شراييني وأوردتي ، وتتشعَّبُ عَبْرَ وتيني ، وتستعمرُ نياطَ قلبي ، وأنا المسافرةُ فيكَ بلا اكتفاءٍ ولا انتهاءٍ ، فما عادَ يعنيني أحاديثُ الظَّانِّين بكَ بكلِّ سوءٍ ، ولا يُشعِلُ غيْرتي – وأنا الملكةُ على ديارِ قلبكَ – إغواءُ الجواري وأشباهُ النِّساءِ ، فأنت – كما تعلمُ – حصرًا وقصرًا تخصُّني وحدي ، وكلُّ حديثٍ سوى تلك الحقيقةِ مسألةٌ فيها نظرٌ وراتيابٌ وتأويلٌ .
اقتباس من كتابي ( أحببتك رغم أنف قبيلتك وقبيلتي )
الكاتب والروائي د ـ علاء أبو شحاتة
رفعت للتصميم













