من نوادر العرب والي المتاليين في وظاءفهم 

بقلم سعيد ابو زيد

دخل رجلٌ عربيٌّ من بني عبس سوقَ المدائن، عاصمةَ الأكاسرة التي دانت للمسلمين حديثًا. وكان السوق يعجّ بالناس ، فاشترى الرجل ما شاء الله له أن يشتري، ثم التمس حمّالًا يحمل عنه أثقاله. فوقع بصره على رجلٍ بسيط الهيئة، قائمٍ في طرف السوق، فظنه حمّالًا أو محتاجًا، فناداه قائلًا في بساطة: احمل لي، رحمك الله .

فأقبل الرجل، و حمل المتاع على كتفه، وسار بجانبه في هدوء.

لكن العجب بدأ منذ اللحظة الأولى ، فما إن مرّا على جماعة من أهل المدائن حتى بادروا “الحمّال” بالسلام:

السلام عليك يا أبا عبد الله!

وكان في أصواتهم من التوقير ما لا يكون لرجلٍ من السوق. تعجب العبسي وتوقف برهة متسائل : من هذا الذي ينحني له الناس احترامًا؟!

ومضيا قليلًا، فإذا بآخرين يسلّمون عليه بالطريقة نفسها، بل بأشدّ تعظيم. عندها لم يستطع الرجل العبسي كتمان دهشته، فالتفت إلى “الحمّال” وقال:

من أنت، يرحمك الله؟

فاكتفى الرجل بإجابة قصيرة ممزوجة بالتواضع :

أنا عبدٌ من عباد الله.

لكن العبسي لم يقتنع، فحين مرّا على جماعة ثالثة بادروا يقولون:

السلام عليك يا أبا عبد الله!

أمسك العبسي بأحدهم وسأله في حيرة ودهشة:

مَن هذا؟

فنظر إليه الرجل وكأنه يستغرب جهله، وقال:

هذا أبو عبد الله سلمان الفارسي ، صاحبُ رسولِ الله ﷺ، وأميرُ المدائن !

كادت قدما العبسي تتعثّران من الحياء. شعر أن الأرض ضاقت به، وقال لسلمان بصوتٍ مرتجف:

يرحمك الله ! لم أعرفك .. ادفع إليّ أغراضي، أنا أحملها.

لكن سلمان — الذي كان واليًا على بلاد فارس وأميرًا لعاصمتها — هزّ رأسه وقال: لا والله، حتى أبلغك منزلك.

 

إنه سلمان، الذي قال فيه النبي ﷺ: «سلمانُ منا آلَ البيت».

 

ابن سعد/ الطبقات الكبرى( ٦٦/٤)

رفعت للتصميم