
فَنُّ الرِّوَايَةِ بَيْنَ تَعَدُّدِ زَوَايَا الكِتَابَةِ وَإِشْكَالِيَّةِ اللُّغَةِ وَالنَّقْدِ
مقال نقدي بقلم: أ.د. حمّام محمد
في عالم الرواية، لا يجد الإنسان ما يقول أمام ما يُكتب بأنواع الزوايا التي تُكتب بها الحكايات المرضية أو النفسية أو النفعية أو الارتدادية لمجالات النفس البشرية الأمّارة وغير الأمّارة، فيصير كل كاتب أعلم من الكاتب، وتُنسب الفحولة كأنها وسام استحقاق.
فتميّز الكُتّاب بالزوايا المتعددة في الكتابة اللغوية؛ منهم من يحتاط في استعمال الملفوظات التي تمسّ الحياء، ومنهم من يسرحها سراحًا جميلًا، لا هي تؤذي ولا تبيد، ومنهم من يكتبها صراحة، وكأنها هي ما قيلت، دون التقيّد بمعيار التميّز، وما يريد القارئ أن يقوله من تلك الزوايا.
عندما يسارع الكثير إلى رمي الكتابات الرتيبة التي تعتمد على الملفوظات الغامضة أو الشاذة، نصنّفها بأنها رواية موحشة، لا سيما عندما تُكتب بالفرنسية، نصنّفها بأنها سابقة عهد، وسوابقها مشوّهة.
ومن يكتب بالعربية الفصحى لا ندّعي له معرفة أكثر من الحطئية أو جبران. وعندما نريد أن نبحث عن الصحيح الذي تتوحّد عنده كل الرؤية، لا نجد إلا تناقضات ناتجة عن غيرة أو حسد، وكمتطلّع للشأن الكتابي الإبداعي، يصعب علينا ترتيب الجميل الذي يحوي ملفوظات قيلت في السابق، وتناقلها الحدث بحكم الواقع، فتزيد من التشويه، فيُصبح الكاتب لدى البعض غير سويّ.
وهذه المعضلة أصبحت تؤدي إلى تعطيل الإبداع الخلّاق الذي يعتمد على الرسم الإبداعي في تناول اللغة، وخاصة العربية. فالاعتقاد السائد أن الأكل والسندوتشات المتفرّعة عبر الفاست فود قد أصبحت إبداعًا أكثر من الكتب، ولكن مع ذلك تُباع الأطباق الشعبية ويُقبل عليها الناس. فالحكم لا يجب أن يكون بطريق التعميم، وإنما يجب تعيين من هو القارئ، ليس النَّهِم، وإنما القارئ المتوافق مع جدل الكتابة التي يرى رسمها بين يديه، وإلا فسوف نقبع في الروتين والملل، وإقصاء الكتابات الأخرى التي يملّ أصحابها من التكرار، أو توضّح إلى جانب من النقاد.
أحيانًا لا يجد النقاد حتى خصلة أولية ينتفون منها الأعمال التي يجب أن تُنتقد، بعيدًا عن تلك الآراء التي ترمي النقد بالهدم. كيف لا يهدم النقد الذي يكرّر الكلمات المنقوصة التي حذّرنا منها، تعالى، من غبشها في كثير من مواقع الأحاديث النبوية؟
الأزمة الحالية ليست في لغة الكتابة، وإنما في ميكانيزم الكتابة: كيف نكتب الرواية؟ هذا هو العمل الأدق؛ لأن إعطاء الرواية بعدها الروائي ليس تراكيم الأحداث وتواترها، فهذا يُنتج رواية تاريخية تهتم بعرض المسردات التي وقعت في الماضي البعيد أو القريب.
ولعلّ ما يُستأنس به في هذا السياق ما ذهب إليه الجاحظ في كتابه «البيان والتبيين» من عناية بتأليف الكلام وحسن نظمه، إذ إن قيمة التعبير لا تتوقف على المعنى وحده، وإنما تتصل بكيفية صياغته وتأليفه. ومن هنا، فإن الرواية لا تستمد قيمتها من كثرة أحداثها فحسب، بل من الطريقة التي تُبنى بها لغتها ودلالاتها.
ولا أريد هنا أن أعيد التذكير بعناصر كتابة الرواية التي تعدّى عليها الكثير من أصحاب موهبة السرد، بالمعنى أو بغيرها. المهم أن يلاقوا استرسالًا في الكتابة، يؤدّي بهم إلى الشعور بأن الرواية أقرب إليهم من أي لون آخر.
وهذا، في اعتقادنا، خطأ تقني، ولا أطرح بدائل؛ كلها معروفة. هناك روايات استدعى أصحابها اللجوء إلى الكلمات السوقية التي تأنقها جمل عن غيرها، ويركّبها المبدعون حتى تصير وكأنها الحقيقة. لكن للمجتمع حرمته، فالكتابة يجب أن تكون أشبه بقراءة نص مقدّس، لا تلوين فيها وتنغيم، إلا بما هو في الأصل من مكوّناتها.
وفي ضوء الفقه المقارن، يمكن استحضار القاعدة الفقهية الكبرى: «الضَّرَرُ يُزَالُ»، وهي قاعدة تؤكد ضرورة رفع الضرر ودفعه. ويمكن الإفادة منها في التأمل في المسؤولية الأخلاقية للكتابة، من غير أن يعني ذلك مصادرة حرية الإبداع أو تقييد مجالات التعبير الأدبي ونكاد في أمّتنا العربية، من خلال الرمزيات القديمة وبالقياس المقارن، قد تجاوزنا بكثير الأشكالات الروتينية في تناول قضايا العصر الكلاسيكية، كالحب والهجرة والسرقة والعشق، بينما الحياة قد تغيّرت أواصرها بالكلية.فالروائي الذي يحظى بكتابة الرواية باللغة العربية يجب أن ينتبه إلى موقعها من خلال تموضعها بين الذكاء الاصطناعي والنتّ في أقصى مجالاته تطوّرًا، حتى يستطيع الكاتب أن يجد لغة التمكّن أو اللغة النظامية التي تبيّن عن الإشكالية دون ضرر أو ضرار.
رفعت للتصميم













