الاستواء المرحَّل في الشعرية الصوفية

.الاستواء المرحَّل في الشعرية الصوفية: من ترحيل الملفوظ إلى استواء المعنى في قصيدة اخلع وشاحك للشاعرة التونسية هادية سالمي

دراسة/ ا.د حمام محمد…جامعة الجلفة..الجزائر

حين نتكلم عن ظاهرة الاستواء المرحَّل في الشعرية الصوفية، ربما تصادفنا عدة وجهات نظر تناقش الاستواء، ثم عملية الترحيل، ليصير في الأخير معنى متناصًّا. وللملازمين خبايا النص يدركون أن اللفظ يتنقل من زاوية وزمن ومكان وصورة بصرية، دون إنهاك للقريحة التي تحسن الغوص في الأسلوبية. ومن هنا، لم أجد بدًّا، وأنا أقرأ المجموعة الشعرية «ضمأ الليل»، سوى أن أخاطر في العناوين الاثني والعشرين، لأكتب في الاستواء المرحَّل في تصوف الشاعرة الهادية سالمي.

هذه الشاعرة التي تتكلم صوفيًّا خلف معانيها، باستعمال ملفوظات كثيرة ترحّلها من جهة إلى جهة، وسط كمّ كبير من الحركة الدائمة في وسطها الشعري الذي يشبه مدينةً تعيش النشاط في أرفع صوره من الصخب والحياة، لكنها ذاقت على السبل، وأسكتت جُرم الأمكنة، وهربت مهاجرة إلى الهدوء مع الذات، إلى عالم السكون، حيث تظهر تجليات الصفاء وجهًا لوجه، من وجوه النقاء الذي أوصل إخوان الصفا إلى طفرة التعلّق.

لو تُغمض الذات عينيها بحثًا عن الليل، صارت شريطًا من الخرافات: طائرات تحلّق، وأمكنة تتهاوى، وأموات يعودون، وملاعب مهترئة أعادت مجد الفرق المتلألئة، وخُطب في التاريخ تتعالى في الظلمة. فالظلمة والليل صنفان، بل وجهان، يحركهما المدى وطوله.

قصيدة «اخلع وشاحك» صبَّت: «اخلع نعليك… وارتدِ متمعّنًا، فأنت في الأثير الكبير، ما دونك لا يقوى عليه»، عندما يكون الجلال في أرفع الصفات التي لا تمثيل لها، تنمحي كل الكلمة، معدمةً مظلمة، ولا يُرى إلا ما قبلها من مقلة المغمض عينيه، وقد اكتساه العمى المعرفي، ولم يعد يعي أن الليل مرتع لكل معقّد، ولكل طائر معلّق في الأعناق، يكتب: مالك؟ وما أذنب؟ ولو كانت نَزْرةً في الصريخ، أو لوعةً من أجل فحيح قد قيل من قبل، حين أعذرتك النصوص السابقة والنص المحفوظ.

فالليل جسّدته الشاعرة بأنّه مكان تتخفّى فيه الأشياء التي نحلم بها، ولكن ليست على صورها، بل على صور الأهوال، وقد ألفظت ملفوظات: الغدران، مسغبة، سعير، بلاءات، حنظل، العواصف، الحصوات والمدامع… فأبرقت لمجنونها اللغوي الذائف: إنك تعيش السعير قبل أن تخلع وشاحك وتتطهر من جديد، حتى تجتاز ذلك القهر والابتلاءات، فالوشاح ثورة للطهر، وللدفاع، وللحماية، والتزوّد.

«اِخلَعْ وشاحك»

للّيْلِ في الْغُدرانِ أجنِحَهْ.

كما له في كلّ قاعٍ أعْمِدَهْ.

في كفّهِ بَرْدٌ ومَسْغَبَهْ.

وفي مآقيهِ سعيرٌ وبلاءاتٌ

وحنظلَهْ.

وللعواصفِ صهيلُ الْحَصَوَاتِ

في مدامِعِهْ.

وتقفز الشاعرة مرة أخرى إلى جناح الطمأنينة، حيث نقلت المعاني والملفوظات بحنكة، قبل الوشاح، إلى أجنحة ومعابر آمنة، ونبوءة خالصة، وبراءة، وتوبة، وصبر جميل، ورقّة في دعائها، واستواء الكلم، كأنّه تخطّ رسالة توبة من جديد، بعد الذي كان وصار كما صار ليوسف:

للّيْلِ في الْغُدرانِ أجنِحَهْ…

ولِتِلالِها على الْأُخْدُودِ أَشْرِعَهْ…

لِمُقلَتَيْها وَعْدُ يوسُفَ

وَهَمْسَةُ قَمِيصِهِ وَبَسْمَتُهْ…

وَلِلْأَوابِدِ إذا حَلَّتْ بها

مِقْصَلَةٌ ومِطْحَنَهْ.

في الاستواء الثالث ترجع الشاعرة إلى زبدة القول؛ بعد المحنة صبر، والفرج هنا اعتراف….

القصيدة، في جانبها، رأت أن المرأة كالليل، مليئة بكل تلك الأوصاف التي حوّلتها من مدمعة الحصوات على عينين غارقتين، تخطان فيما سُتر من المرأة، فهي الحجاب المستور كالليل، المستور فيه الغيهب، ولهذا جعل سباتًا، وأنقذنا مولانا فيه من دون حول. ومع ذلك تبرق أن الشعر، في تناصّيتها، يستطيع أن ينقل في مدياته ملفوظات، يرحّلها بأدب الحاذقين، لتستوي على جودي الحقيقة.

حيث قامت القصيدة في بهرجها الصوفي تجانب كشف الذات الذاكرة، فاستواء الملفوظات التي أوصلتها الشاعرة، كما بدت، إلى إنسان وذات وقضية، لم يحِن وقت كشف الوشاح. ربما دُسّت في ظلمة المستقبل حقيقة الهارب إلى الناحية الأخرى، وفي متابعة الاستواء سنصل إلى كشفه قبل مطلع الربيع. فانظر إلى صمتها الناطق بقولها….

فَيا الَّذِي أسْدَلَ فوق كتِفَيْها وجهَهُ،

اِخلَعْ وشاحَكَ،

فَإِنَّكَ بِحَضْرَةِ الّتي تَوَشَّحَتْ.

وما على أقراطها

جِسْرٌ لِما تَصْبُو وتَبْتَغِي.

رفعت للتصميم