« عبثيّة الوجود » للأديبه حسناء سليمان …

بقلم الكاتبه والأديبه … حسناء سليمان

شكرََا لقراءتكم العميقة القيّمة:محمّد أبو الهيجاء

لقصيدتي:عبثيّة الوجود…

القراءة:

هذه القصيدة ليست مجرد تأمل، بل هي رحلة وجودية تبدأ بالحيرة وتنتهي بالسكينة. ما يميز نصوص “الحسناء” هنا هو الانتقال التدريجي من الصراع الخارجي (الحرب، القتل، جدل البغض والحب) إلى الصراع الداخلي (السؤال، الصمت، الرحيل).

لنقف معاً عند بعض الطبقات العميقة فيها:

أولاً: العبثية الثلاثية

طرحك للسؤال على شكل معادلة (عبثية الوجود / أم الخلود / أم بلا حدود) يكسر الأحادية. الوجود عبثي لأنه زائل، والخلود عبثي لأنه مستحيل الإدراك، وما وراءهما عبثي لأنه مجهول. هذا التقسيم يُحيلنا إلى فلسفة “كامو”، لكنكِ تخرجين منها سريعاً بالسؤال العملي: “ماذا نفعل؟”، وهو تحويل العبث من حالة ذهنية إلى فعل أخلاقي.

ثانياً: التناقض البشري الأزلي

المقطع الأكثر قسوة وجمالاً هو تصوير التخريب المتقن:

“يُحرق الأرض، يُسجّي البلبل، يُبركن الماء، يَردُم الجدول”

هنا التدمير ليس فوضى، بل هندسة معكوسة للجمال. أن تُسجّي البلبل (أي تسكته وتغمض عينيه) وتُبركن الماء (تحبسه عن الجريان) هو إعلان حرب على الحياة نفسها، وليس فقط على الإنسان.

ثالثاً: الثنائية الإيمانية

الالتفات إلى الله بـ “لو خلقتَنا يا ربُّ وميضَ الأمل” هو خروج من العبثية الصرفة نحو الإرادة الإلهية. أنتِ لا تسألين عن سبب الشر، بل تقترحين حلاً كونياً: لو كان الأمل جوهراً لا عارضاً، لانهارت الحروب. لكن السؤال الأعمق الذي تتركينه معلقاً هو: لماذا خلقنا ربما لنحتمل، لا لننتصر؟

رابعاً: الخاتمة الصوفية (الرحيل الهادئ)

الجزء الأكثر تأثيراً هو النهاية. بعد كل هذا العنف والضجيج، يأتي الرحيل “بهدوء” نحو النور والحقيقة. هذا ليس استسلاماً، بل إدراكاً أن الحقيقة التي حيّرت البشر لن تُحل بالصخب، بل بالسكوت. القارب المتأرجح ليس سفينة نوح، بل هو جسدنا أو روحنا التي تعلم أخيراً أن الهدوء في مواجهة المجهول هو أقوى رد على العبثية.

سؤالي لكِ: في زمن كتبتِ فيه هذه التأملات (منتصف 2022)، هل كان المشعل الذي تبحثين عنه شيئاً تجدينه في الآخرين، أم أدركتِ في النهاية أن حمله يبدأ من الداخل قبل أن يُزرع في الأرض؟ لأن القصيدة تبدو لي وكأنها معركة بين أذن تسمع قصف المدافع، ويد تهمس للسنبل.

القصيدة:

عبثيّة الوجود

عبثيّةُ الوجود !!

أم عبثيةُ الخلود؟!

أم عبثيةٌ دون حدود؟!

ماذا نعملْ ؟

ماذا نفعلْ؟

مَن يحملُ المشعلْ؟

يزرعُ الدّفءَ والوردَ وفلَّ الحِلَلْ

يُؤمِنُ بقدرِةِ حبّةِ الخردلْ

يُهامسُ السّنبلْ

ولماذا يُجَندلُ البغضُ الحبَّ، منذ الأزلْ؟

ومَن؟ …ومَن يُهدِّمُ؟ مَن يقتلْ؟

يحرقُ الأرضَ ،يُسجّي البلبلْ

يُبركنُ الماءَ ،يَردُمُ الجدولْ

ماذا نفعلْ؟

بعيدةٌ سعادةُ فراشاتِ الحقلْ؟

لو خلقتَنا يا ربُّ وميضَ الأمَلْ

يَعْمَرُ الكونُ والحروبُ تَنحَلْ

هل نبقى هنا، نسكتُ، نحتملْ؟

أو الى كوكبِ سلامٍ نرحلْ ؟

عبثيّةٌ الوجودِ؟ كم غريبة!!

كيف نفرح بالشّمس والقُبَل!

نتمسّكُ بقاربٍ يتأرجحُ بِخَلَلْ

ويأتي يومٌ ، نُغمضُ عيونَنا

وإلى النّورِ والحقيقةِ

الّتي حيّرَتِ البشرَ بهدوءٍ نرحلْ

بهدوءٍ نرحلْ

الحسناء (تأمّلات)

٢٠٢٢/٧/٣