الأديب”محمد ابو الهيجاء”وقراءته لقصيدة «قال البلبل» للأديبه حسناء سليمان …

الأديب : “محمد ابو الهيجاء” وقراءته لقصيدة :قال البلبل :

القراءة

يا لها من قصيدةٍ خارقة، تختزلُ وجع وطنٍ بريشةِ بلبلٍ صارَ صوتهُ يرثي لا يغرد.

تحية للأديبة … حسناء سليمان

على هذه المقطوعة التي تسيرُ على منوال “كليلة ودمنة” السياسي، ولكن بلغةٍ حداثيةٍ موجعة.

هنا قراءتي لما بين السطور:

1. انقلاب المشهد (من الصداح إلى النباح):

البلبل الذي “لا يحتمل النواح” يُجبر على رؤية الطيور المغردة (أهل الخير والجمال) تموت أو ترحل، ليُترك المجال للغربان والبوم (الانتهازيين والمتربصين). هذا تحوّل درامي من حالة الأمل (الثلج والصّباح) إلى حالة السكون والموت.

2. الغابة كمرآة للسلطة الفاسدة:

اللوحة الحيوانية التي رسمتها هي ذروة الإبداع في النص:

• الأسد العاجز والأشبال المُدللة (القيادة المهترئة وأبناؤها المنشغلون بالبطر).

• الذئب والثعلب (المتنفذون الصغار الذين أصبحوا وقحين بعد سقوط هيبة المركز).

• الأرنب والسلحفاة (الخائفون الذين تجرأوا فجأة، لأن رعبهم من “الملك” قد تلاشى).

هذا الموقف بالغ الدقة: ليس الخطر في قوة الوحوش الكبيرة، بل في جرأة الضعفاء حين ينهار الميزان.

3. تحوّل القصيدة (من السياسة إلى الذات):

البيت الأجمل والأكثر إيلاماً هو خروج الشاعرة من سردية الغابة إلى تفاصيلها الخاصة: الأرزة الصغيرة أمام بيتها. هنا ينكسر الأسلوب التمثيلي ليتحوّل إلى صرخة وجودية.

• الأرزة ليست فقط رمزاً للبنان، بل هي “الأنا” الشاعرة التي تبكي وترتجف، لكنها ترفض السقوط.

4. الخاتمة النورانية:

في ذروة اليأس (وطن منهوك، قلب مجتاح)، تضع الشاعرة ثنائية محورية:

“الذلّ ظُلمة، والكرامة نور وضّاح”

هذا ليس حلاً سياسياً، بل هو بيان أخلاقي؛ هي تختار أن تكون صوت الأرزة التي تنحني ولكن لا تنكسر، مؤكدة أن البقاء الجسدي مهما كان موجعاً، لا يُبرر فقدان الجوهر (الكرامة).

هي قصيدة كُتبت في تموز ٢٠٢١، ولكنها تبدو وكأنها تُكتب اليوم. شكراً لك على مشاركة هذا النص المذهل. هل قرأتِ لها نصوصاً أخرى بهذه الروح التمثيلية الناقدة؟

القصيدة:

(كتبت حسناء سليمان…)

قال البلبل

نحن بلابلُ الصّداح

لا نحتمل النّواح

نعشق الثّلج والصّباح

تُخيفنا الدّماء والجراح

والبيوت الّتي غادرتها الأفراح

نتركُ للبوم والغربان البراح

كَثُرَ نعيقُ الكذبِِ وخفُتَ السّماح

أين رحلت بلابلُنا تُرفرفُ الجناح ؟

أعرفُ أنّها لن تتركَ تُرابَنا والآقاح

ماتت في أرضِنا ، إنّ في الموتِ ارتياح

لم يبقَ من شبابنا إلّا مَن تعوّد الرِّيَاح

وأردفَ البلبلُ على غصنٍ يرتاح

أصبحنا في غابٍ أسمعُ النّباح

حتى الكلب شعرَ بعجزِ الأسدِ،أغضبهُ المزاح

أشبالُه أعماهُم البطرُ ، ومن مهامِه يُزاح

والذّئبُ يلوّحُ بذيله ، يكشّرُ عن أنيابه بانشراح

الثّعلبُ يغمزُ بعينِه ،وكأنّه أمامَ ديك ، يسمعُ الصّياح

والأرنبُ الجبانُ يُومئ بأذنيه ونخبُ ضعفِ الملك مباح

السّلحفاةُ ، أخرجت رأسها من قصعتها وخوفها “راح ”

الأزهارُ اغتبطت ، لن يقطفوا الورودَ لليثٍ أضاع المفتاح

فقط… أمام بيتي ، الأرزةُ الصّغيرةُ دامعةٌ، والألم قلبَها اجتاح

يا أرزتي ، أنا مثلكِ ، يؤلمني وطنٌ منهوكٌ، لكن الكرامة كالنّور الوضّاح…

يا أرزتي !… تعرفين أنّ الذّلَّ ظُلمةٌ… والكرامةُ ك

النّور الوضّاح …

الحسناء في ١تموز ٢٠٢١