التوثيق الأدبي بين الورقي والرقمي أزمة فكر أم أزمة اختيار 

الباحثة والناقدة: د. آمال بوحرب

 

يبدو الحديث عن التوثيق الأدبي بين الورق والرقمي في ظاهره مسألة تقنية، وعند التأمل العميق يكشف عن سؤال وجودي يتصل بجوهر الكتابة ذاتها وبمصير النص بعد أن يفارق يد مبدعه إن القضية تمتد إلى علاقة الكاتب بنصه وإلى وعيه بأن قيمة النص تكتمل بقدر وصوله إلى القارئ ودخوله في دائرة التداول وتحوله إلى حضور حي في الوعي الجمعي.

 

في الساحة الأدبية العربية لا يزال العديد من الكتّاب يميلون إلى التوثيق الورقي أو الشكل الصفحي التقليدي، لأنه يمنحهم إحساسًا بالطمأنينة والرصانة والهيبة. غير أن هذا الحرص يتحول في كثير من الأحيان إلى حاجز أمام الانتشار والقراءة إذ يُقدَّم النص في صورة تجعل الوصول إليه أكثر مشقة والتفاعل معه أقل يسرًا. وهكذا تتجاوز المسألة حدود الوسيط لتغدو أزمة فكر وأزمة اختيار في الوقت نفسه.

 

وتزداد الإشكالية وضوحًا حين ندرك أن ما يُسمّى «ورقيًا» في كثير من الحالات صفحة إلكترونية تُلبس ثوب الورق أو ملفًا يحاكي المطبوع. نحن أمام ورق متخيَّل داخل وسيط رقمي وأمام مفارقة بين الصورة البصرية المألوفة ووظيفة النص الحقيقية. وينبع هذا التمسك من الألفة البصرية التي يمنحها الشكل التقليدي، وإن جاء ذلك على حساب سلاسة القراءة وسهولة الوصول.

 

وينطلق هذا التصور من ربط عميق بين القيمة والمظهر الخارجي. فالورقي يرمز في أذهان كثيرين إلى الجدية والرسوخ والخلود بينما يُنظر إلى الرقمي بوصفه أقل ثباتًا وهيبة ومع ذلك يستحق هذا التصور مراجعة هادئة في ضوء روح العصر الثقافي الذي نعيشه، إذ أصبحت قيمة النص مرتبطة بقدرته على أن يُقرأ ويُستعاد ويدخل في التداول الحي ويبقى حاضرًا في الذاكرة الثقافية عبر الأجيال.

 

فإذا وُثِّق النص إلكترونيًا بطريقة واضحة ومرنة، فإنه يحقق جوهر غايته في الوصول إلى القارئ. أما إذا حُبس في هيئة معقدة أو ملف ثقيل أو صفحة ضيقة الخط، فإنه يفقد جزءًا من حيويته وقدرته على التأثير مهما بلغت قيمته الأدبية والفكرية. ومن هنا يبرز السؤال الأعمق: هل نهتم بالشكل لذاته أم بفاعلية النص في الحياة الثقافية؟

 

وتتجلى المفارقة بأوضح صورها حين يُقدَّم النص في إخراج بصري ضعيف، بخط صغير وتنظيم مضغوط ومساحة خانقة للعين. عندئذ يشعر القارئ بالإرهاق قبل أن يغوص في المعنى، فيتحول الشكل إلى حاجز. والمفارقة أن الكاتب الذي يطالب بالاهتمام بنصه قد يكون أول من يصعب الطريق إليه.

 

وفي هذا السياق ينبغي التمييز بدقة بين صور التوثيق الرقمي. فمحاكاة الورق قد تأتي في صورة متقنة، كما في الكتاب الإلكتروني المصمم بعناية والصيغ المرنة التي تتكيف مع مختلف الأجهزة، فتجمع بين الأناقة البصرية وراحة القراءة. أما الملفات الثابتة أو الصور الممسوحة التي لا تتجاوب مع الشاشات الحديثة، فتتحول إلى عبء يثقل تجربة القارئ، خاصة على الهاتف المحمول وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة مع القارئ المعاصر الذي يطالع النصوص في حركة الحياة في الحافلة أو أثناء استراحة العمل أو قبل النوم فإذا صادف ملفًا ثقيلًا أو نصًا غير متكيف مع شاشته، غادره سريعًا إلى ما هو أيسر وأرحب. وهكذا يخسر النص فرصته لعائق شكلي يحول بينه وبين القارئ.

 

ومن هنا يمكن القول إن بعض أشكال التوثيق «الورقي» داخل الوسيط الرقمي تشكل دون قصد نوعًا من الخيانة للقارئ. فالأمر يتعلق بمدى احترام حق القارئ في الوصول السهل والتجربة المريحة. والكاتب الحقيقي يجعل الشكل خادمًا للمحتوى والوسيط جسرًا يوسع دائرة الحضور ولا يضيقها ويستدعي هذا النقاش تمييزًا جوهريًا بين «العرض» و«الإتاحة». فالعرض يكتفي بوضع النص في قالب جميل ثم الوقوف عند ظهوره، أما الإتاحة فتعني جعل النص قابلًا للقراءة اليسيرة والاسترجاع السريع والأرشفة الدائمة والتداول الحر. وعندما يتقدم الشكل على الوظيفة، يتحول التوثيق إلى زينة خارجية ويبقى جوهر النص بعيدًا عن متناول القارئ.

 

ومن الملفت أن التقليل من شأن التوثيق الإلكتروني يعبر غالبًا عن معنى واحد، وهو أن الكاتب يبحث عن الصورة أكثر من بحثه عن الحضور الحقيقي للنص فالتمسك بالهيئة الصفحية المتخيلة يظل تعبيرًا عن رغبة في الحفاظ على مظهر مألوف يمنح شعورًا بالرصانة، وإن جاء ذلك على حساب حيوية النص واتساع انتشاره.

 

تكمن الأزمة الحقيقية في أن البعض يربط القيمة بالمظهر والرصانة بالشكل التقليدي وهذا التصور انعكاس لطريقة معينة في التفكير بالنص وبوظيفته الثقافية ومن هنا تغدو الأزمة أزمة فكر بقدر ما هي أزمة اختيار.

 

فالكاتب قد يدرك أهمية الوسيط الرقمي ثم يعود إلى المألوف طلبًا للأمان النفسي. وقد يصبح هذا الأمان مكلفًا إذا أدى إلى تضييق أثر النص وتقليص وصوله. وهكذا تغلب العادة على الفعالية ويصبح الحنين إلى الماضي أقوى من حاجة النص إلى الحياة المستمرة.

 

وتُظهر التجارب المعاصرة أن النصوص التي تتبنى توثيقًا رقميًا مدروسًا مع مراعاة سهولة القراءة على مختلف الأجهزة والفهرسة الجيدة تحقق حضورًا أرحب من تلك المحصورة في قوالب مغلقة. فقيمة النص تتجلى في قدرته على أن يعيش ويؤثر ويستمر ومع ذلك يظل الشكل الورقي خيارًا جماليًا نبيلًا متى خدم النص وعزز حضوره. وتظهر الأزمة حين يصبح الشكل غاية في ذاته ويتراجع الاهتمام بوصول النص وتأثيره. وعندئذ تكشف أزمة الاختيار عن أزمة فكر أعمق وعن تصور محدود لوظيفة الكتابة.

إن جوهر القضية هو الحديث عن المسكوت عنه إذ في هذا السياق يتجاوز الموضوع لماذا ننشر كتاباتنا وبأي طريقة إلى سؤال فلسفي ثقافي كبير: ما معنى أن نكتب؟ ولمن نكتب؟ وكيف نضمن أن يبقى النص حيًا بعد أن يغادرنا؟ الأجوبة مختلفة معقدة ولكنها تتصل بفكرة واحدة وهي أن النص يكتمل بحضوره الفاعل في القراءة والتداول والتأثير المتجدد.