الصَّداقة… حين تعبر القارات وتسكن القلوب

ليس اليوم العالمي للصَّداقة، الذي يطلُّ على الكون في الثلاثين من يوليو، محضَ مناسبةٍ عابرةٍ في تقويم الأيام؛ فالزمنُ يطوي الصفحات لكنّه يعجز عن طيِّ الأثر… فبعض المناسبات لا تذوي بانقضاء يومها، لأنها ليست ذكرى تُستعاد، بل نبضًا يتجدَّد كلّما همَّت الروح أن تحتفي بسرِّ الوفاء وجوهر المحبَّة.

وقفتُ عند هذا اليوم وقفةَ المتأمّل الذي أنهكه السَّير…

ربَّما لأنِّي كنتُ في زمنٍ تمشي فيه الحياة فوق روحي بأقدامٍ من حجر…

وهناك، حيثُ يوشك اليقين أن يتزعزع، اكتشفتُ أنَّ حولي قلوبًا لم أدركْ قربها إلَّا حين احتجتُ إليها.

أدركتُ أنَّ بعض الصَّديقات لا يسكنَّ بقربي، بل يسكنَّ فيَّ، وأنَّ المسافات، مهما استطالت، تعجز أن تشقَّ روحًا احتوت روحًا.

في الشدائد، لا نكتشف وحدَنا قسوة الأيّام، بل نكتشف أيضًا بهاءَ أولئك الذين يُقبلون إلينا حين تدبر عنَّا الدنيا.

هناك صديقةٌ لا تحتاجين أن تشرحي لها شيئًا؛ يكفيها أن تسمع ارتجافة صوتك لتدرك أنَّ في أعماقك شيئًا انكسر.

وأخرى قد تفصل بينك وبينها دولة، أو بحر، أو قارَّة، لكنَّها تصل إليك بكلمةٍ كأنَّها الغيث، برسالةٍ كأنَّها العناق، بسؤالٍ صادق، أو بمجرَّد حضورٍ يشبه يدًا تمتدُّ إليك في دياجير الطريق.

الصَّداقة ليست دائمًا تلك التي تولد بين جدران المدارس، أو في أروقة المكاتب، أو في الأماكن التي تجمعنا بالآخرين لقاءاتٌ سطحيَّة.

الصَّداقة الحقَّة هي أن تجد في صديقك وطنًا حين تتشرَّد بك الأوطان.

أن تجد فيه نخلةً باسقةً كلّما تصحرَّت الأيّام…

أن تجد فيه دفء العائلة حين يلفحك صقيع الغربة.

الصَّديق الحقيقيّ هو ذاك الذي لا يقف عند حدود السؤال: كيف حالك؟ بل يستشعر، في صمت، أنَّ خلف إجابتك المقتضبة ألمًا لم يُفصح، ووجعًا لم يُبح به اللسان.

هو الذي يُسرع إليك قبل أن تناديه، ويجلس جوارك حين يعجز الكلام، ويمسح على روحك قبل كتفك، وكأنَّ يدَه خُلقت لترمِّم ما تهشَّم في سريرتك.

فما كلُّ الأيادي تمتدُّ إلينا حين نتعثَّر؛ فبعضها لا تعرف طريقها إلينا إلَّا حين تثبت خطواتنا، وتزهو أيّامنا.

أمَّا اليد التي تلتمسك في عثرتك قبل أفراحك، فتلك وحدها جديرةٌ بأن تُسمَّى صداقة.

هنا، ندرك أنَّ الصَّداقة ليست حروفًا تُنطق، بل تضحيةٌ تُعاش.

ولعلَّ من أسمى الصُّور التي تتجلَّى أمامنا ونحن نتحدَّث عن الصَّداقة، صورة النبيّ ﷺ مع أبي بكر الصدِّيق رضي الله عنه.

في أحرج لحظات الخوف، حين أوى الاثنان إلى الغار، وحين بلغ القلق بأبي بكر مبلغَه خشيةً على رسول الله ﷺ، قال له النبيّ الكريم في يقين الواثق بربّه:

﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾.

أيُّ معنىً عظيم تحمله هذه الكلمات!

لم تكن صلة النَّبي ﷺ بأبي بكر رضي الله عنه مجرَّد معاشرَة، بل كانت رفقةَ إيمان، ووفاءً منقوشًا من نور، وثقةً لا تهزّها الرّياح، وتضحيةً صامتةً بكل غالٍ ونفيس.

كان أبو بكر الصدِّيق رضي الله عنه حاضرًا في اللحظة الحرجة، ثابتًا حين اضطربت الأفئدة، قريبًا حين اشتدَّ الخطر، ليعلِّمنا أنَّ عظمة الصَّديق الحقيقيّ أن يكون ظلَّك حين تغيب عنك الشَّمس، لا أن يكون ضيفك حين تكتظُّ بك المجالس.

حتى غدا اسمه مقترنًا بالصَّداقة ذاتها، وغدا رمزًا للصَّديق الصَّدوق، والرَّفيق الصَّادق.

فيا له من درسٍ بليغ؛ أنَّ الصَّديق لا يُقاس بعدد السِّنين، ولا بكثرة اللّقاءات، بل بنقاء المواقف ونُبلها.

أمَّا أنا، فقد أبصرتُ معنى بعض الصَّداقات من زاويةٍ أخرى حين مررتُ بمحنةٍ قاسية.

كنتُ غريبةً عن كلِّ ما يشبه الدفء، وتلقَّيتُ طعناتٍ من حيث كنتُ أظنُّ الأمان.

وفي غمرة ذلك، تساقطت الأقنعة، وانكشفت السَّرائر، وعرف الإنسانُ من ظلَّ وفيًّا إلى جواره.

هناك، تجلَّت لي الصَّديقة الصَّدوقة؛ تلك التي لا تُقاس بقرب المساكن، بل بصدق الحضور وسموّه.

كانت جارتي قريبةً منّي، تسندني برفقٍ كلّما أوشكتُ على السقوط، وكانت صديقاتٌ لي من وطنٍ آخر، تفصلني عنهن القارات، غير أنَّ الأرواح لا تعترف بجوازات السَّفر، ولا تقيم وزنًا للحدود؛ إذ كانت القلوب جسورًا من نورٍ لا تفقه لغة الجغرافيا.

فكان لكلّ وطنٍ يدٌ تنتشلني، وصوتٌ حانٍ يهمس: لستِ وحدك.

الصَّداقة ليست كوكبًا لا يلمع إلَّا في دجى اللَّيل، بل سماءٌ تظلُّ تفيء علينا في السَّرّاء والضّرَّاء.

فمن أبهى الصَّداقات تلك التي نتقاسم فيها الفرح، ونحتفي فيها معًا باللَّحظات البسيطة، ونُعلي فيها رايات النَّجاح يدا بيد.

أن تصادقي زميلتك، أن تنثري في أرجاء مكان عملك عطر المودَّة، والتَّسامح، واللُّطف، بدلًا من أن يتحوَّل العمل إلى ساحة صراعٍ تفقد فيها المنافسة بهاءها ونقاءها.

وما أروع أن نؤمن، بكلِّ جوارحنا، أنَّ نجاح الآخر لا ينتقص من وهج نجاحنا، وأنَّ المحبَّة لا تعني ضعفًا، وأنَّ التَّعاون لا يلغي التفرُّد؛ فالشَّموع لا ينقص ضوؤها إن أشعلت شمعةً أخرى، بل يزداد الكون نورًا.

والصَّداقة لا تأتي دائمًا في زي الأقران، ولا تطرق الباب من زاويةٍ واحدة.

قد ترتدي الصَّداقة ثوب الأبوَّة الوقور، وقد تتشح بحنان الأمّ، وقد تفيض دفء الإخوة، وقد تسكن في سكينة الزَّوج.

بل إنَّ أروع العلاقات الزَّوجيَّة هي التي بدأت بالصَّداقة أو تشرَّبت معناها، فإذا اكتسى الزَّواج بثوب الصَّداقة صار عصيًّا على عوادي الزَّمن، وعجزت الأيّام عن سلب دفئه من الأعماق.

ولعلَّ من أبدع ما أهدته إليَّ الأقدار أنَّني تعرَّفتُ إلى أصدقاء لم ألقهم يومًا على أرض الواقع.

لم تجمعنا مدارس، ولا مكاتب، ولا أرصفة مدينة واحدة.

أنا من قارَّة، وهم من قارَّات شتَّى، وبيننا محيطات، وتخوم، وسدود.

لكنَّنا التقينا في فضاءٍ أرحب، وجمعتنا الكلمة الطَّيِّبة، والفكر النَّيِّر، والاحترام العميق، والإنسانيَّة الخالصة.

ومع الأيّام، صار أولئك الأصدقاء نسيجًا من واقعي الجميل، لا يتسلَّل إليه الغياب.

تواصلٌ تنسجه القلوب قبل الأصابع، وفرحٌ يفيض في الأرجاء يتقاسمه الجميع، وسندٌ يهبُّ قبل النِّداء، حتَّى غدونا كأغصان دوحةٍ واحدة، تتنوَّع فروعها في الهواء، وتتعانق جذورها في الأعماق.

واليوم، ومع بزوغ هذه الذِّكرى العطرة، أمدُّ يدي إلى الجميع بيد المصافحة الصَّادقة، والتَّسامح الفسيح، والودِّ الدَّافئ، والاحترام العميق.

أمدُّها إلى كلِّ صديقٍ وصديقة، إلى كلِّ من خلَّف في القلب أثرًا طيِّبًا لا يمحوه الزَّمن، إلى كلِّ من كان حاضرًا في ساعةٍ كنَّا فيها أشدَّ ما نكون حاجةً إلى الحضور.

شكرًا من أعماق القلب لكلِّ صديقٍ وصديقة جعلوا الحياة أرحب، والغربة أقلَّ وحشة، والمسافات أقصر، والقلب أوفرَ سكينةً واطمئنانًا.

وكلُّ عامٍ والقلوب التي تفقه معنى الوفاء أدنى إلى بعضها، مهما نأت بها الدّيار وتباعدت الخطى.

نوال إدريس أبخاطره

ليبيا

رفعت للتصميم