قِرَاءَةٌ فِي “المَسَاءُ الأَخِيرُ”   لِلْكَاتِبَةِ نَوَالِ إِدْرِيس  

قِرَاءَةٌ نَقْدِيَّةٌ: عَبْدُ الكَرِيمِ الكُوَكِي

حَيْثُ يَلْتَقِي العَقْلُ بِالوِجْدَانِ فِي رِحَابِ العَالَمِ الفِكْرِي

 

أَيُّهَا النَّاسُ… هَذَا لَيْسَ خَبَراً عَن مَوْتٍ.

هَذَا تَوْثِيقٌ لِسَاعَاتِ الوَفَاءِ الأَخِيرَةِ… حَيْثُ يَصِيرُ الصَّمْتُ أَبْلَغَ مِنَ الكَلَامِ.

 

أَوَّلاً: العَتَبَةُ… الغُرْفَةُ كَقَفَصِ الرُّوحِ

 

تَبْدَأُ الكَاتِبَةُ بِلَوْحَةٍ جَنَائِزِيَّةٍ بَارِدَةٍ:

“غُرْفَةً يُخَيِّمُ عَلَيْهَا الصَّمْتُ… قَفَصَ رُوحِهِ الأَخِيرِ”

لَيْسَتْ غُرْفَةً… بَلْ مَحَطَّةُ انْتِظَارٍ أَخِيرَةٍ.

هُنَا يَنْسَحِبُ الجَسَدُ مِنَ الحَيَاةِ تَدْرِيجِياً، وَتَتَوَارَى مَلَامِحُ الشَّبَابِ خَلْفَ أَغْطِيَةٍ بَيْضَاءَ.

البَرَاعَةُ أَنَّهَا لَمْ تَصِفِ المَرَضَ… بَلْ وَصَفَتْ الغِيَابَ.

 

ثَانِياً: الحِوَارُ الهَامِسُ… لُغَةُ مَنْ عَلَى الحَافَّةِ

 

الحِوَارُ هُنَا لَيْسَ حِوَاراً… بَلْ جُسُورٌ تُرْمَى بَيْنَ عَالَمَيْنِ.

“كَيْفَ حَالُكَ يَا عَمِّي؟”

سُؤَالٌ بَرِيءٌ يَتَحَوَّلُ إِلَى عِتَابٍ خَفِيٍّ: “أَيْنَ فُلَانٌ؟ كَمِ السَّاعَةُ؟”

وَالجَوَابُ: “الحَمْدُ للهِ” ضَعِيفٌ كَالرُّوحِ.

فِي المَرَّةِ الأُولَى كَانَتْ إِشَارَةَ نِهَايَةٍ.

وَفِي الثَّانِيَةِ كَانَتْ سُؤَالَ مَنْ يَخَافُ أَنْ يُنْسَى.

 

هَذِهِ هِيَ مَأْسَاةُ الشَّيْخُوخَةِ بِأَبْهَى صُوَرِهَا:

الجَسَدُ حَاضِرٌ… وَالقَلْبُ يَسْأَلُ عَنْ الغَائِبِينَ.

 

ثَالِثاً: العَيْنَانِ… نَافِذَةُ العُمْرِ الأَخِيرَةُ

 

أَبْدَعَتِ الكَاتِبَةُ حِينَ قَالَتْ:

“وَجَدْتُ عَيْنَيْنِ مَفْتُوحَتَيْنِ، مُتْعَبَتَيْنِ، غَارِقَتَيْنِ فِي حُزْنٍ عَمِيقٍ”

العَيْنَانِ هُمَا اللَّتَانِ لَمْ يَسْتَطِعِ الغِطَاءُ إِخْفَاءَهُمَا.

فِيهِمَا “قِصَّةُ عُمْرٍ بِأَكْمَلِهِ”.

أُمْنِيَاتٌ لَمْ تَتَحَقَّقْ… وَصَبْرٌ ثَقِيلٌ.

وَحِينَ سَحَبَ الغِطَاءَ عَلَى نِصْفِ وَجْهِهِ… صَارَتِ العَيْنَانِ “نَافِذَتَهُ الأَخِيرَةَ إِلَى العَالَمِ”.

 

رَابِعاً: الوَصِيَّةُ الرُّوحِيَّةُ… “بِنْتَ المُخْتَارِ”

 

هُنَا تَتَجَلَّى عَظَمَةُ النَّصِّ الإِنْسَانِيِّ:

فِي وَسَطِ الاحْتِضَارِ… يَنْطِقُ الشَّيْخُ بِالدُّعَاءِ لِغَيْرِهِ:

“أَنْ يَرْزُقَكِ اللهُ وَلَداً”

لَمْ يَطْلُبْ مَاءً… وَلَا دَوَاءً… طَلَبَ لَهَا الحَيَاةَ.

 

وَتَتَوَّجُ العَلَاقَةُ بِلَقَبٍ خَالِدٍ: “بِنْتَ المُخْتَارِ”

لَيْسَتْ بِنْتَ دَمٍ… بَلْ بِنْتَ رُوحٍ.

تَبَنٍّ رُوحِيٌّ خَالِصٌ يَتَجَاوَزُ القَرَابَةَ إِلَى الوَفَاءِ.

هَذَا هُوَ البِرُّ الَّذِي لَا يَمُوتُ.

 

خَامِساً: الخَاتِمَةُ… اسْتِبْدَالُ الأَغْطِيَةِ

 

الخَاتِمَةُ جِنَائِزِيَّةٌ وَهَادِئَةٌ كَنَفَسِ الرَّاحِلِ:

“اسْتَبْدَلَ غِطَاءَهُ الأَخِيرَ بِغِطَاءٍ أَبْيَضَ لَفَّ جَسَدَهُ بِإِحْكَامٍ”

المَوْتُ هُنَا لَيْسَ نِهَايَةً… بَلْ بَابٌ.

بَابٌ لِلذِّكْرَى… وَلِلوَفَاءِ… وَلِاسْمٍ بَقِيَ رَاسِخاً: “بِنْتَ المُخْتَارِ”.

 

سَادِساً: التَّقْيِيمُ عَلَى مِيزَانِ الأَدَبِ الإِنْسَانِيِّ

 

الصِّدْقُ الوِجْدَانِيُّ: عَشَرَةٌ مِنْ عَشَرَةٍ . دَمْعَةٌ عَلَى الوَرَقِ

الوَصْفُ الحِسِّيُّ: 9.5 مِنْ عَشَرَةٍ . تَرَينَ الغُرْفَةَ وَتَسْمَعِينَ الصَّمْتَ

العُمْقُ: عَشَرَةٌ مِنْ عَشَرَةٍ . تَحَدَّثَ عَنِ الشَّيْخُوخَةِ وَالنِّسْيَانِ وَالبِرِّ

اللُّغَةُ: 9 مِنْ عَشَرَةٍ . سَرْدٌ وَاقِعِيٌّ شَجِيٌّ بِلَا تَكَلُّفٍ

 

الحُكْمُ النِّهَائِيُّ

 

“المَسَاءُ الأَخِيرُ” لَيْسَ قِصَّةَ رَحِيلِ العَمِّ مُشْعَانَ فَقَطْ.

إِنَّهُ مِرْآةٌ نَنْظُرُ فِيهَا إِلَى أَنْفُسِنَا غَداً.

مِرْآةٌ تَسْأَلُنَا: هَلْ سَنَكُونُ مِمَّنْ يُسْأَلُ عَنْهُمْ؟

أَمْ مِمَّنْ يُغَطُّونَ رُؤُوسَهُمْ وَيَرْحَلُونَ وَحْدَهُمْ؟

 

أَحْسَنْتِ يَا نَوَالُ إِدْرِيس…

لَقَدْ كَتَبْتِ بِقَلْبِكِ لَا بِقَلَمِكِ.

وَتَرَكْتِ لَنَا دَرْساً فِي البِرِّ لَا تَمْحُوهُ الأَيَّامُ.

 

إِلَى جَنَّاتِ الخُلْدِ يَا عَمَّ مُشْعَانَ

وَدَامَ وَفَاءُ “بِنْتِ المُخْتَارِ”

 

#رِحْلَةٌ_فِي_رِحَابِ_عَالَمِ_الفِكْرِ

#مَجَلَّةُ_أَطْيَافِ_الأَدَبِيَّةِ

#بقلم فضيل حاج بن عدة

كلمة شكر وامتنان للدكتور فضيل

 

الدكتور فضيل حاج بن عدة، الكاتب والناقد والشاعر، الذي أعتز كثيرا به، وبعلمه وكتاباته وقراءاته التحليلية العميقة؛ أسعدني أن يصل «المساء الأخير» إلى هذا العمق من التلقي، وأن يجد بين يديكم قراءة تمنحه حياة أخرى، وتفتح أمام القارئ مساحات أوسع للتأمل في الإنسان والوفاء والرحيل.

شكرا لكم دكتور فضيل على هذا الجهد الكبير، وعلى الوقت الذي منحتموه للنص، وعلى هذا الاحتفاء الذي أعتز به كثيرا، وأقدّر قيمته الأدبية والإنسانية.

ورحم الله العم مشعان رحمة واسعة، وجعل أثره الطيب ودعاءه الجميل نورا ممتدا في الذاكرة، وبارك في قلمكم وعلمكم، وأدام حضوركم الجميل في المشهد الأدبي والنقدي.

رفعت للتصميم