عقدة النقاد الكافكائيين الجدد

.أ.د حمام محمد.. جامعة الجلفة….الجزائر.

هل حين يعجزالناقد عن تفسير المعقّد، يلجأ إلى اسم كافكا ليُبرز عضلته النقدية ويرسم المتاهة؟

لقد أصبح بعض النقاد الجدد يستشهدون بكافكا أثناء تناول النصوص المعقّدة، دون شرح أو إزالة للّبس، وهذا عين الخطأ في مهمة الناقد الحصيف، الذي يشارك في البناء ولا يخفي التعقيد. وإن عجز، فلا يُلبس النصوص أشخاصاً وأفكاراً لا طائل من ورائها.

إن العملية النقدية في تطور هائل وجميل، تحمل معها الرؤى الإبداعية، وهذا مجال لا يمكن الحديث عنه هنا؛ لأن موضوعنا يقتصر على عقدة خلافية مع النقاد الجدد، أو الكافكائيين الحالمين بعقد النقد المستعصي، أو عقدة المنهج النقدي الهدّام الذي يذهب مباشرة إلى التهجّم على كل ما هو مخالف، وكأن الناقد يصنع الإلهام وحده في كونية تتطلب المشاركة، لا مجرد التواجد.

وإن أقرأ غير منتهٍ من النصوص النقدية المعاصرة لكتابات إبداعية جيدة بالمعايير المتفق عليها، لكنها محشوة بعقدة مغالطة لم يتفق عليها النقاد، ألا وهي عقدة الكافكائية. نقادنا الجدد يكثرون من إقحام كافكا، وكأنهم على صلة قرابة معه، أو أنهم شركاء في النص، وخاصة من النقاد المبتدئين الذين يسارعون إلى إلصاق النظرة البيروقراطية أو السلطوية إلى تقييم كافكا، ويتركونه مبهماً دون شرح، وكأنهم يكتبون للمتخرجين في آراء كافكا. والتي هي مجرد آراء اتفقت نخبة من النقاد القدماء على الإعجاب بها، باعتبارها آراء صائبة تصلح أن تكون اتجاهاً، إلا أنه أمام تطور التكنولوجيات ومزاجات المجتمع، أُبيدت النظرة وصارت في خبر كان.

فالناقد الأكاديمي، وإن عرف كافكا، فقد عرف أفكاراً جاءت في نصوصه المقتضبة وآرائه، ولم تتسوَّ في كتاب من تلقاء نفسه، بل إن الكثيرين يصرون على نعتها بـ«نظرية كافكا»، وهي غير موجودة إطلاقاً من الناحية الأكاديمية. وأفكار كافكا المتداولة لا تعطيه الحق في أن يشكل فكراً مستقلاً، بالنظر إلى من سبقه في الحضارة العربية أو غيرها من الحضارات المتقدمة.

ويبقى السؤال مطروحاً: كيف يبقى الضمير النقدي على أفكار تتعلق بجوانب المعاملة بين الأفراد في المجتمع، وبين الأفراد واغتراباتهم، إلى شخص معين، مع العلم أن من سبقوه إلى ذلك كثيرون من الباحثين، وسارت أفكارهم في مسيرة العلم والتحديث؟ وليس هذا الأمر تحاملاً على كافكا، وإنما هو انتقاد للمتعجّجين على العجز في تفكيك نصوص شديدة التعقيد، برميها في مسبح كافكا. والغريب أنهم يتركونها هكذا دون تفصيل، وكأن كافكا صار ظاهرة إنسانية كونية، وهذا ما ينافي المنهج النقدي.

فقد أصبح كافكا كأنه قالب كتابي يشبه الهرم المقلوب، تُطبَّق عليه النصوص الجاهزة. والأمر أدهى أننا نجد نصوصاً معقدة جداً، شعرية أو قصصية، إلا أنها أكبر من النظرة الكافكائية، كحال النصوص الأسطورية المتواجدة في زمننا، والتي أصبحت أكثر تعقيداً من ذي قبل.

والإدراك اليقيني هو أن ليس كل نص معقد كافكائياً. ويفسر هذا النزوحَ القراءاتُ الخاطئةُ من النقاد لأفكار كافكا، ورسمُه على أنه هو نهاية السقف، وهذا أعتبره إجحافاً علمياً خادعاً.

 

وفي أغوار النقد الحديث، أصبح كافكا مجالاً لتفسير تصرفات الأمراض الإدارية وهيمنة السلطات المشرّعة قانونياً. فكافكا لم يدعُ إلى الفوبيا أو الخوف من البيروقراطية.و ما يجب الإشارة إليه في الأخير هو أن ليس المطلوب الخروج عن أفكار كافكا التي تبقى أغلبها صالحة، لأنها تتعلق بنظرة نقدية قوية ومستنبطة وحيوية، لكن يجب استعمال ما يصلح في الواقع، وربط الفكر بمجاله الزمني حصرياً، حتى لا تتداخل الخصوصيات، فتصبح المجتمعات مجتمعاً واحداً في الرؤى.وإذا استمر العمل بهذا المعيار، فسوف تُقتل الخصوصية، وينفتح الباب للتعرية المعنوية…

* أوصى بعد وفاته سنة 1924 صديقه ماكس برود بإتلاف مخطوطاته، لكن برود لم ينفذ الوصية، وأسهم في نشرها، وهو ما كان له أثر حاسم في تكوين مكانة كافكا الأدبية العالمية. توفي وعمره 40 سنة.

رفعت للتصميم