
أسرار الريح… حين يكتب العشقُ ظلاله على جدار الغياب
قراءة نقدية بقلمي في نص الأديب
الكاتبة الروائية هدى حجاجي أحمد – مصر
يأتي نص «أسرار الريح» محمّلًا بطاقة شعرية عالية، تتحرك بين الحلم والعشق والغربة والكتابة، ولا تمنح القارئ معناها دفعة واحدة، بل تستدرجه من صورة إلى أخرى، كما لو أن الريح نفسها تقوده عبر ممرات سرية لا يعرف نهايتها. إنه نص يقوم على التكثيف والاستعارة والمفارقة، ويبدو فيه العشق ليس حالة وجدانية مستقرة، وإنما رحلة داخل المجهول.
منذ الاستهلال:
> «خفتُ أن أنزوي في دائرة مغلقة؛
تتناهبني التواءات الطريق.»
يضعنا الكاتب أمام مفارقة بين الدائرة المغلقة والطريق الملتوي؛ فالدائرة توحي بالسجن والتكرار، بينما الطريق يوحي بالحركة والبحث. والخوف هنا ليس من الطريق ذاته، وإنما من أن يتحول الطريق إلى متاهة تعيد الذات إلى النقطة نفسها.
ثم تأتي صورة:
> «لن تعبرك خطواتي فوق رمال البحر»
وهي صورة ذات دلالة لافتة؛ فالرمل لا يحتفظ بالأثر طويلًا، والبحر يمحو ما تتركه الخطوات. وكأن الذات تخشى أن يكون عبورها عابرًا بلا أثر. ولذلك تأتي بعدها الرغبة في أن تترك الخطوات «ندوبها» في الزوايا المهملة، وهي نقلة جميلة من الأثر العابر إلى الأثر الجارح؛ فالكاتب لا يريد مجرد حضور، بل يريد حضورًا يترك علامة.
وتتسع الدائرة الرمزية حين يخاطب المرأة:
> «أنتِ امرأةٌ من شهد الكلام»
فالمرأة هنا لا تبدو مجرد شخصية عاطفية، وإنما تتحول إلى كائن شعري، إلى مصدر للكلمة والحلم والإغواء الإبداعي. ويزداد هذا المعنى وضوحًا في:
> «رأيتكِ في حلم غوايةٍ لقصيدةٍ ناضجة»
فالمرأة تصبح قصيدة قبل أن تكون امرأة، والحب يتحول إلى محفز للكتابة. وهنا يلتقي العشق بالإبداع؛ فالمحبوبة ليست فقط موضوعًا للقصيدة، بل هي التي تستفز القصيدة كي تولد.
أما الصورة:
> «حين أشعلتُ فيكِ ماءَ غيمةٍ من أسرار الريح»
فتقوم على مفارقة حسية شديدة الشعرية: إشعال الماء. والماء والغيمة والريح تنتمي جميعًا إلى عالم متحرك وغير قابل للإمساك، بينما «الإشعال» فعل يمنح الحرارة والوهج. وكأن الكاتب يريد أن يقول إن العشق قادر على خلق المستحيل، وعلى تحويل العناصر المتناقضة إلى حالة شعرية واحدة.
ثم يبلغ الخيال ذروة أخرى:
> «ونامَ البرقُ في فراش الليل،
يسكبُ مراسمَ الضوءِ
لظلٍّ نامَ عاريًا في موقد النار،
لكنه لم يحترق!»
هنا تتجاور النار والليل والبرق والظل في مشهد واحد، وهي مفردات متعارضة بطبيعتها، لكنها تتآلف داخل النص لتصنع حالة من التوتر بين الاحتراق والنجاة.
والعبارة الأخيرة «لكنه لم يحترق» تحمل قيمة رمزية مهمة؛ فثمة ذات اقتربت من النار، دخلت منطقة الخطر، لكنها خرجت منها دون أن تفقد نفسها. وربما كان هذا هو العشق نفسه: الاقتراب من الاحتراق دون امتلاك القدرة على التراجع.
وفي مقطع الغربة:
> «لا تلبسُ الغربةُ فساتينَ فرحها هناك»
تتحول الغربة إلى امرأة ترتدي فستانًا، في تشخيص يمنحها حضورًا إنسانيًا. لكنها غربة لا تستطيع الاحتفال؛ لأنها محكومة بالألم والمواجهة. ثم يقول:
> «كان عليها أن تجالسَ الأشقياء»
فتصبح الغربة هنا تجربة اجتماعية ونفسية، وليست مجرد ابتعاد عن المكان. إنها صحبة الوجع، ومجاورة المهمشين، والاقتراب من المناطق التي لا يصل إليها الضوء بسهولة.
ومن أجمل مفاتيح النص قوله:
> «في كل الأمكنة نحتاج أن نستريح قليلًا»
بعد كل هذه الصور المتوترة، تأتي هذه الجملة بسيطة وهادئة، وكأنها استراحة للقارئ وللشخصية معًا. فالإنسان مهما طال به الطريق يحتاج إلى مكان آمن، وإلى يد تمنحه القدرة على مواصلة العبور.
ثم تأتي المرأة مرة أخرى:
> «نحتاج امرأةً بيديها مفاتيح الأسرار»
وهنا تتحول المرأة من موضوع للحب إلى حارسة للمعنى؛ إنها تمتلك المفاتيح، لكنها لا تفتح بالضرورة كل الأبواب. وهذا ينسجم مع عنوان النص: «أسرار الريح»، فالسر في النص ليس شيئًا ثابتًا يمكن القبض عليه، بل شيء متحرك، مراوغ، يشبه الريح.
أما صورة:
> «حين كنا نجتاز جسرَ حلمٍ،
كاد أن ينهار من خطواتٍ رتيبة»
فهي من الصور التي تحمل بعدًا نفسيًا واضحًا. الجسر هو الأمل أو العلاقة أو الحلم المشترك، لكن الخطر لا يأتي من عاصفة خارجية، وإنما من «خطوات رتيبة»؛ أي من التكرار والاعتياد وفقدان الدهشة. وكأن الحلم لا ينهار دائمًا بسبب الخيانة أو الألم، بل قد ينهار أحيانًا بسبب الرتابة.
وفي المقطع الأخير، يصبح الشعر نفسه فضاءً للقاء:
> «في منتصف الشعر رأيتُ امرأةً تكتبني على هيئة عشق»
وهذه من أجمل مناطق النص؛ فالكاتب لا يقول «أحبّتني»، بل يقول «تكتبني». الكتابة هنا فعل خلق، والمرأة لا تكتفي بأن تحب الذات، وإنما تعيد تشكيلها لغويًا وجماليًا.
ثم تأتي:
> «يتوجعُ الحبرُ من لغتها»
وهي استعارة موفقة؛ لأن الحبر عادة أداة الكتابة، لكنه هنا يصبح كائنًا يشعر ويتألم. وهذا يعكس طبيعة اللغة في النص: لغة لا تكتب العاطفة فقط، وإنما تجعل اللغة نفسها تعاني من ثقل ما تريد قوله.
واللافت أن النص لا يقدم الحب بوصفه راحة مكتملة، بل بوصفه قلقًا وأسئلة ومساحات خفية. الحب هنا طريق، والغربة طريق، والكتابة طريق، والريح طريق؛ وكلها صور لحركة الإنسان بحثًا عن معنى لا يستطيع امتلاكه كاملًا.
ومن الناحية الفنية، يعتمد النص على السرد الشعري المتدفق، وعلى الجمل الاستعارية المتلاحقة، وعلى التشكيل البصري للمشهد أكثر من اعتماده على الحكاية المباشرة. وهذا يمنحه كثافة وجدانية واضحة، وإن كانت بعض الصور شديدة التراكم، بحيث يحتاج القارئ إلى التمهل كي يفكك طبقاتها الدلالية.
وأرى أن أجمل ما في التجربة أن الكاتب لم يجعل المرأة نهاية الرحلة، بل جعلها جزءًا من سر الرحلة. فهي مرة قصيدة، ومرة مفتاح، ومرة امرأة تكتب، ومرة حضور يعبر الجسر مع الذات.
وهنا يصبح عنوان «أسرار الريح» عنوانًا دالًا جدًا؛ لأن الريح لا تُرى، وإنما تُعرف من أثرها، وكذلك الحب في هذا النص: لا يُمسك باليد، وإنما يُعرف من الارتباك، ومن الضوء، ومن الحبر، ومن الندوب التي يتركها في الروح.
إنه نص يبحث عن شيء لا يمكن تسميته بسهولة؛ ربما هو الحب، وربما الوطن، وربما المرأة، وربما الذات نفسها وهي تحاول أن تعثر على طريقها وسط التواءات الحياة.
وفي النهاية، تبقى الريح سرًا…
لكننا نعرف أنها مرّت من هنا،
لأنها حرّكت كل شيء في داخلنا.
النص
(أسرار الريح) … خفتُ ان انزوي في دائرة مغلقة؛
تتناهبني التواءاتُ الطريق.
لن تعبرك خطواتي فوق رمال البحرِ،
احبُّ ان تتركَ ندوبها في كل زوايها المهملة؟
انتِ امرأة ُ من شهد الكلام،رايتكِ في حلم غوايةِ لقصيدةٍ ناضجة؟ ،
حين اشعلتُ فيكِ ماءَ غيمةٍ من اسرار الريحِ،
ونامَ البرقُ في فراش الليلِ،يسكبُ مراسمَ الضوءِ لظلٍّ نامَ عاريا في موقدِ النارِ ،لكنهُ لم يحترق؟!.
لا تلبسُ الغربةُ فساتينَ فرحها هناك، كان عليها ان تجالسَ الأشقياءَ؛ لكن عليها أن تحترسَ من الولوج في الاشياء الخفيّة؟.
في كل الأمكنة نحتاج ان نستريح قليلا،نحتاج امرأة بيديها مفاتيحَ الأسرارِ،حين كنا نجتازُ جسرَ حلمٍ ،كاد ان ينهارَ من خطواتٍ رتيبة.
في منتصف الِشعْرِ رأيتُ امرأةً تكتبني على هيئة عشقٍ،تضعني على لوحة جدارِها الخرافي،هيَ لاتحبُّ نُعاسَ الاصابع،يتوجعُ الحبرُ من لغتها ،حين لاترغبُ بشيء؟!.
بقلم : الأديب سليمان يوسف….سوريا
رفعت للتصميم













