
عين القانون.. وعين الرحمة
عين القانون.. وعين الرحمة
بقلم: الأديب والشاعر يسري سلطان
إن الكراسي والمناصب تذهب وتزول، ولا يبقى للمرء في دنيته وآخرته إلا الأثر الطيب والذكر الحسن. فالمسؤولية تكليف لا تشريف، وقيمتها الحقيقية تظهر في كيفية إدارة الأزمات والتعامل مع البشر، خاصة أولئك الذين ضاقت بهم سبل العيش فخرجوا يسعون خلف لقمة عيشٍ مغمسة بعرق الجبين.
كثيرًا ما تقع أعيننا على نماذج مشرفة في مجتمعنا، تجلس على مقاعد المسؤولية ولكنها لم تنسَ إنسانيتها؛ فنرى ضابطًا نبيلًا يرق قلبه لحال أمهات غارمات، فيبادر من حر ماله أو بجهده لسداد غرامات سُجنت بسببها سيدات متعثرات عجزن عن دفع ثمن “جهاز عروسة” أو مستلزمات معيشية. ونرى كذلك رؤساء أحياء ينفذون القانون بدقة، ولكن بـ “عين الرحمة وعين الشفقة”؛ فإذا وجدوا بائعًا بسيطًا يعترض ممرًا أو يخالف تنظيمًا، أمهلوه برفق ليجمع بضاعته وحاجاته، مراعاة لآدميته وحفاظًا على كرامته.
إننا، وبكل ثقوب الكلمة والموقف، نقف ضد البلطجة بكل أشكالها وأنواعها، وندين بأشد العبارات ذلك الاعتداء الآثم الذي شهدته محافظة كفر الشيخ قيام أحد الأشخاص بسكب البنزين على رئيسة حي أثناء تأدية عملها. فهذا سلوك إجرامي مرفوض لا يمكن تبريره تحت أي ظرف، ولهيبة الدولة والقانون منا كل الاحترام والتقدير.
لكن في المقابل، يجب أن ندرك أن التعامل مع البائعين البسطاء والناس في الشوارع يحتاج إلى حكمة بالغة وطريقة نقاش تقوم على الإقناع والاحتوء، دون تعالى أو فرض للسلطة بالقوة العمياء. إن الحوار الهادئ يمنع الكوارث قبل وقوعها، أما الفظاظة والغلظة فلا تولد إلا الانفجار.
“إن تطبيق القانون لا يعني أبدًا نزع الإنسانية من القلوب.”
فما شاهدناه مثلًا في مواقف السابقة، كقيام رئيس محلية بركل بضائع البائعين بقدمه وتدمير قوت يومهم، هو سلوك غير لائق، وغير مستحب، ولا يمت لروح القانون ولا لقيمنا الدينية والاجتماعية بصلة. إن كسر الخواطر وإهانة الضعيف أمام الناس تترك جروحًا غائرة في النفوس قد تحول الموقف البسيط إلى كارثة حقيقية.
دعوة إلى حكمة القيادة
ندائي إلى كل مسؤول في أي موقع: اجعل من منصبك مظلة يستظل بها الضعيف قبل القوي. نفذوا القانون، حافظوا على النظام، امنعوا العشوائية، ولكن.. اجعلوا لغة الإقناع والرحمة هي المقدمة. إن الابتسامة والكلمة الطيبة قادرة على تنظيف شوارع بأكملها بالحب، بينما العنف والتعالي لا يزيدان الأمور إلا تعقيدًا.
رحم الله امرءًا سمحًا إذا قضى، وسمحًا إذا حكم، وجعلنا دائمًا من جابري الخواطر لا من كاسريها.
يسرى سلطان












