قراءة انترلولوجية في طفوس التعازي

المقالات الانتربولوجية: أ.د حمام محمد جامعة الجلفة…الجزائر

الموت: عظم الله اجركم من عتبة الغياب وموعظة الأحياء.

قراءة انترلولوجية في طفوس التعازي…

عندما نسمع خبر وفاة ، تتعلق مسامعنا عن الموت كرزية، وياتينا سؤال الذاكرة محملا باسئلة موت فلان أو علان، قريبًا كان او بعيدًا، تحدث في ذواتنا غصّة، وكأن الموت يقترب من الذي سمع أو عرف. فتتبدل مورفولوجية كيانه بالكلية، ويصبح حاله بحال بطارية تكاد تنفذ من التعبئة وبحاجة إلى التعبئة، للاستمرار..

. وقد تتعاظم كلمة «عظّم الله أجرك» في نظر الكثير، لأنها تضعنا مباشرة أمام الحقيقة الكبرى: إنها الموت.

وبغضّ النظر عن تعريف الموت كمصيبة، أو إطفاء، أو تغييب جسد كانت روحه تمرح بين ظهرانينا، وبعد بعد ساعة الدفن، نتأكد أنه لم يعد هنا، ولن يكون هنا؛ لأنه مضى فيه قضاء الله، وأنه لا يعود إلى الدنيا.

قال تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾، وقال سبحانه: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ ۝ وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾.

إن عدم العودة، واعتقاد الناس بأن الميت لا يعود إلى الدنيا، مهما كانت صفته، هو الاعتقاد الذي سيعبّر عنه السامع، سواء كان في الجوار، أو صديقًا، أو ابن جيران. ويتوجه المعزّون إلى أصول الميت وفروعه، من تلقاء ما يمليه الدين في واجب العزاء من جهة، وما تمليه صلة الرحم من جهة أخرى، حتى في الوفاة.

ولو تأملنا الأمر بقليل من التركيز، لوجدنا أن الميت يذهب بجسده ليردّه إلى الأرض التي خُلق منها، وها هو يعود إليها، ولكن الروح في مكان آخر، عند ربها، في عالم الغيب والبرزخ، إلى أن يأتي يوم يبعث الناس فيه للحشر، فتعود الأرواح إلى أجسادها، وبعد فراق الدنيا تعود إلى دار القرار، حيث يلتقي الجسد بالروح، ويبدأ الحساب أمام رب العالمين.

قال تعالى: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَىٰ﴾.

والتركيز الذي أطلبه هنا هو أن الموت كائن، كأي حادثة تصيب الإنسان، ولكن لا ينبغي أن نعتقد أن الموت هو أقصى عذاب للجميع؛ فالموت انتقال، والإنسان المؤمن لا ينظر إليه باعتباره نهاية الوجود، وإنما باعتباره انتقالًا من دار إلى دار.

وهذا ما يطمئن إليه المؤمن أمام صورة العدل الإلهي، قال تعالى: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾. وقد أغلق الله طريق الرجوع إلى الدنيا أمام الروح، قال تعالى: ﴿وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾.

وقد أخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم عن شدة لحظة الرحيل، فقال: «إن للموت سكرات» (رواه البخاري). إنها لحظة يغيب فيها الإنسان عن عالمه الذي عرفه، وتبدأ رحلة أخرى لا نعرف تفاصيلها إلا بما أخبرنا الله ورسوله.

ومع ذلك، فإن الثابت عند المؤمن، والمركز على قول الشهادة، أنه سيلقى ربه، وأن رحمة الله أوسع من كل خوف، وأن أهل الإيمان لهم ما وعدهم الله به من الأمن والبشارة. قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ ۝ نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾.

إن هذه النقلة من دار الدنيا إلى البرزخ ثم إلى دار القرار تجعل الموت قريبًا من معنى النوم من حيث الانقطاع المؤقت عن عالم الحس، دون أن يعني ذلك أن الموت هو النوم نفسه. وقد أعطانا مولانا آية يومية نتأمل فيها هذه الحقيقة، تتمثل في النوم، حيث يغيب الإنسان عن الدنيا من دون حول منه ولا جهد، ثم يستيقظ بإذن الله.

قال تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا ۖ فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَىٰ عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَىٰ إِلَىٰ أَجَلٍ مُسَمًّى﴾.

فلا يجب أن نكابر في تعظيم مصيبة الموت، بقدر ما نحاول أن نهون على صاحب الميت، بأن الموت نقلة، وأن رحمة الله هي الأوسع، وأن اللقاء بالله هو الحقيقة الكبرى التي تنتظر الإنسان.

وقد جاء في الحديث الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه» (رواه البخاري ومسلم). وهذا لا يعني أن الإنسان يحب الألم والموت لذاته، وإنما يتعلق الأمر بما يلقاه المؤمن عند الاحتضار من بشارة ورحمة، وبما يستشعره من قرب لقاء ربه.

والإدراك أن الموت محطة يهبط عندها جميع البشر، من أمم الإنس وسائر الكائنات، وأن لكل إنسان مقدرةً محدودة وساعاتٍ معدودة وأجلًا لا يتقدم ولا يتأخر، هو الذي يجعل الموت موعظة للأحياء قبل أن يكون نهاية للأموات.

قال تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾.

لقد أدخلت بعض الطوطمـيات القديمة على الموت حالات كثيرة من العجائبية والغرائبية، التي جعلت الموت أفعى تهرس البشر في الحفر، وكأن الإنسان ينتقل إلى مصير مجهول لا رحمة فيه. وربنا حليم بالبشر، وأرحم بهم من أنفسهم، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لَلَّهُ أرحم بعباده من هذه بولدها» (رواه البخاري ومسلم)، في إشارة إلى المرأة التي كانت تبحث عن ولدها ثم وجدته فأخذته إلى صدرها.

ومن هنا يجب أن ينحدر التعزي إلى معنى الأجر لأهل الميت، بمشاركتهم الوعظ والدعاء والصبر، وليس بإقحام الضحك، أو تحويل مجلس العزاء إلى فضاء للأحاديث التي لا علاقة لها بالمقام.واتعابه بالاكل عندهم وأكثر ما جرى عليه العرف هو التعامل باحترام في حضرة أهل الميت، والدعاء له ولجميع المسلمين، حتى تتحقق أوار التقدير والاحترام.

والدعاء للميت من أعظم ما يمكن أن يقدمه الحاضرون، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاثة: إلا من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له» (رواه مسلم).

ومن عادات بعض الأعراق اليوم أن تتدخل من أجل مساعدة أهل الميت، وعدم تحميلهم نفقات إضافية، وهذا من عظيم التآزر في هذه الحالات. ومن صور ذلك إفساح الطريق لأهل الميت

رفعت للتصميم