
اسقاط التاريخ على الواقع الراهن والانساق الثقافية المضمرة في رواية ” تغريبة مملوك من سنجار”
اسقاط التاريخ على الواقع الراهن والانساق الثقافية المضمرة في رواية ” تغريبة مملوك من سنجار”
قراءة: ناز عدنان البوتاني
تُشكل رواية “تغريبة مملوك من سنجار” للكاتب الجزائري مصطفى بوغازي، الصادرة عن دار غراب للنشر والتوزيع، نصاً تراجيدياً مُكثفاً يتقاطع فيه سرد التاريخ مع فلسفة الهوية، ومسألة حق الوجود، والانتماء. وإن استقراء تفاصيل هذا النص يفتح المجال لقراءة نقدية تتجاوز مجرد سرد الأحداث إلى استبطان أبعادها الرمزية والفكرية.
أولاً: المنهج التاريخي وإسقاطه على الواقع الراهن
تتخذ الرواية من عام 1648م نقطة ارتكاز زمانية، وهي فترة مفصلية في تاريخ الدولة العثمانية شهدت مقتل السلطان إبراهيم وصعود محمد الرابع تحت وصاية “كوسم سلطان”. إن استخدام المنهج التاريخي هنا لا يهدف إلى التدوين الأكاديمي، بل يستحضر «اللحظة التاريخية المتوترة» لإعادة بناء الذات والذاكرة.
تفكيك آليات السلطة والمركزيّة: يُظهر النص كيف تمارس الإمبراطوريات آلياتها في سلب الهويات؛ فالصبي “آراد” يُقتطع من جباله ويُدفع إلى “أتون العسكرية”، ليُصادَر اسمُه وذاكرتُه ويُعاد إنتاجه كـ “تيمور آغا” — أداة بطش في يد المركز (الأستانة) ضد الأطراف (سنجار ونصيبين).
الإسقاط على الواقع الراهن: هذا التفكيك التاريخي يعكس تماماً الهيمنة المعاصرة وآليات الاستلاب الحديثة. فالواقع الراهن يشهد صراعات مماثلة تُقتلع فيها المجتمعات من أصولها الجغرافية والثقافية عبر الحروب، والتجهير، أو العولمة القسرية. إن تحويل “آراد” إلى نصلٍ يضرب به المركز أهلَه يمثل ظاهرة “المغترب الوظيفي” في عالمنا اليوم، حيث يُستغل أبناء الأطراف لتدمير مجتمعاتهم الأصلية خدمةً لمصالح قوى إقليمية أو دولية.
ثانياً: الأنساق الثقافية المضمرة والظاهرة
تختزن الرواية مجموعة من الأنساق الثقافية التي تتصارع داخل الفضاء السردي:
نسق المركز ضد الهامش: الأستانة كمركز سلطوي يمثل البلاط، والمكائد، ونسق “الخصاء” (المادي والرمزي) وإعادة التشكيل القسري. مقابل سنجار ونصيبين كهامش يمثل الجذور، والصلابة الفولاذية، والحرية النقية.
نسق الفولاذ والمطرقة (ثقافة المقاومة): تتجلى في شخصية “أُهورا”، التوأم الذي يصنع السيوف في ورشات “نصيبين”. الرمزية هنا تتجاوز الحرفة إلى النسق الثقافي للمقاومة؛ فالمطرقة التي تُصهر الفولاذ هي ذاتها التي تقضّ مضاجع الغزاة. الفعل الثقافي هنا يتحول من مجرد البقاء إلى المواجهة الفاعلة.
نسق الرمز والذاكرة المادية: يبرز “السيف المنحوت” المنقوش بوفاء العودة كنسق ثماني يتفوق على المخطوطات والقرارات السياسية. السيف كنسق ثماني لم يُصنع للقتل في وادي العطش، بل ليكون “وثيقة إثبات هوية” تنطق بما عجزت عنه الألسن وتكسر نمطية التبعية للإمبراطورية.
ثالثاً: البعد الوجودي والكوني (حق الوجود والانتماء)
تتجاوز الرواية الإطار المحلي والإقليمي لتلامس سؤالاً وجودياً كونياً: هل يستطيع الإنسان أن ينفصل عن جذوره دون أن يفقد إنسانيته؟
تراجيديا التمزق الوجودي: يظهر البعد الوجودي جلياً في تجزئة العائلة الواحدة إلى ثلاثة مسارات
تيمور آغا (آراد): القوة والتمزق بين الواجب الإمبراطوري والنداء الداخلي.
آتوسا: الجسد المسبوك في أسياد البلاط، والباحث عن حرية لا تكتمل إلا بالعودة إلى الوطن.
أُهورا: الإرادة الصلبة التي ترفض التكيف وتختار صناعة المصير بالحديد والنار.
لحظة المكاشفة في “وادي العطش”: يُمثل “وادي العطش” بؤرة التنوير الفلسفي والرؤيوي في العمل. العطش هنا ليس عطشاً للماء، بل عطش وجودي للحقيقة. عندما يقف “تيمور” أمام “أُهورا”، لا يواجه خصماً سياسياً، بل يواجه «أناه الأخرى». إنها اللحظة الكونية التي ينتصر فيها نداء الدم والجذور على إديولوجية السلطة.
صمود الأم (أميتيس): تجسد الأم “أميتيس” الرمز الكوني للأرض والذاكرة الخالدة التي لا يُفقد فيها الأمل. بقاؤها منتظرةً يمنح الصراع بُعداً أسطورياً؛ فحق الوجود ليس مجرد مفهوم سياسي، بل هو إيمان تت وارثه الأجيال حتى تعود الأوراق الذابلة إلى أشجارها.
ختاماً، تُقدم رواية “تغريبة مملوك من سنجار” معالجة درامية وتاريخية عميقة لمفهوم الانتماء. إنها نصٌّ يُشبه صهر الفولاذ؛ يُعيد تذكير الإنسان المعاصر بأن الألقاب والأدوار القسرية التي تمنحها الإمبراطوريات والأنظمة تظل أقنعة زائفة، وأن نصل النسيان يتحطم دوماً أمام أول نقش حقيقي ترسمه الأرض في قلب الإنسان.
رفعت للتصميم













