غات… تراتيل المكان وذاكرة الإنسان

للمدن طريقتان في الوصول إلينا: مرة نذهب إليها، ومرة تأتي هي في وجه إنسان لا نعرفه… فنعرفها قبل أن نعرفه.

ما أكثر ما تخبئ الأرض من حكايات، وما أعجب ما تقودنا الأمكنة إلى أمكنة أخرى دون أن نخطط لذلك!

فقد لا تبدأ الحكاية من مدينة قصدناها، ولا من طريق سلكناه، ولا من كتاب فتحناه بحثا عن مكان. أحيانا تبدأ من وجه عابر، أو صورة تستوقفنا، أو كلمة توقظ في الذاكرة شيئا ظنناه قد ابتعد.

ولعل أجمل ما في الأمكنة أنها لا تأتي إلينا دائما بأسمائها؛ قد تأتي بملامح أهلها، بلهجاتهم، بأزيائهم، بفنونهم، أو بحكاية يحملها أحد أبنائها دون أن يدري أنه يحمل معها مدينة كاملة.

وهكذا جاءتني الحكاية من حيث لم أتوقع.

لم أبحث عن مدينة بعينها، ولم تكن «غات» في ذهني حين بدأت الحكاية. جاءتني من طريق عابر؛ من صورة على إحدى منصات التواصل الاجتماعي، ومن ملامح رجل لم أكن أعرفه، لكنها بدت لي مألوفة على نحو جعلني أتوقف أمامها أكثر مما توقفت أمام صور كثيرة مرت بي.

كانت ملامح تقول شيئا لم أفهمه في اللحظة الأولى؛ شيئا يشبه الذاكرة حين تلتقط تفصيلا صغيرا من بين أشياء كثيرة، ثم تظل تبحث عن اسمه.

ومن تلك الملامح بدأت الحكاية.

في تلك الفترة، كنت منشغلة بالبحث عن شخصيات ثقافية وفنية لها علاقة بالتراث والفنون التشكيلية والتصوير الفوتوغرافي، وأعمل على إعداد مادة تتصل بتوثيق ملامح الأمكنة وما تختزنه من ذاكرة. لذلك لم يكن دخولي إلى صفحته بحثا عن شخص بعينه، ولا كان وراءه قصد يتجاوز فضولا ثقافيا صادقا؛ كنت أبحث عن عيون ترى المكان بطريقة مختلفة، وعن أشخاص جعلوا من الفن وسيلة لحفظ ما يمكن أن يضيع من ذاكرة الأمكنة.

دخلت صفحته، وكتبت له سؤالا دون حتى أن ألقي عليه التحية:

«هل أنت ليبي أم جزائري؟ أم من إحدى دول المغرب العربي؟

ملامحك تقول إنك من المغرب العربي… لكن هناك شيئا في وجهك أشعر أنني أعرفه، ولا أعرف كيف أحدده!»

كنت في حيرة بين الاحتمالات، وإن كان حدسي يميل أكثر إلى ليبيا. كانت بشرته سمراء، وفي ملامحه شيء استوقفني؛ شيء شعرت معه للحظات أن الدم الذي يجري في وجهه قد يكون من الدم نفسه الذي يجري في عروقي… دما ليبيًا.

جاء رده على سؤالي بضحكة طويلة:

«هههههههههههه!»

ربما ظن أن السؤال يحمل شيئا من المزاح، وربما استغرب أن أحاول قراءة جنسيته من ملامحه. لكنني لم أسأله استهزاء ولا انتقاصا؛ كنت فقط أريد أن أقطع الشك باليقين، وأن أسمع منه ما كان حدسي يهمس به.

ومع تبادل أطراف بسيطة من الحديث، صرح بأنه ليبي.

ابتسمت في داخلي.

كان الجواب الذي أنتظره، وإن كنت أشعر أنني عرفته قبل أن يقوله.

فاللهجة كانت قد قالت شيئا آخر.

في نبرة الكلام، وفي طريقة تركيب الجملة، وفي بعض المفردات التي تتسلل بين الكلمات، وحتى في الضحكة، كان هناك شيء أعرفه جيدا؛ شيء لا يحتاج إلى بطاقة تعريف.

فالإنسان قد يبتعد عن أرضه، وقد تتغير الأمكنة من حوله، لكن شيئا من المكان يبقى عالقا في صوته.

كلمة واحدة قد تكشفه، ونبرة قد تعيده إلى بلده، وتعبير صغير قد يحمل معه شارعا قديما، وبيتا، وطفولة، ووجوها لا يعرفها أحد سواه.

ثم قال إنه من الجنوب الليبي.

وهنا، قبل أن أعرف اسم المدينة، شعرت أنني اقتربت من مكان أعرفه بطريقة أخرى.

فالجنوب الليبي لم يكن بالنسبة إلي مجرد بقعة على الخريطة، بل كان حكاية أحبتها منذ سنوات؛ حكاية بدأت من شاشة صغيرة، ومن إعلامي قدير هو بشير، الذي جعل الجنوب في وجداني مكانا أعرفه وأحبه قبل أن تطأه قدماي.

كنت أتابع بشغف ما يقدمه عن الصحراء الليبية، وعن أهل الجنوب، وعن الطوارق بلباسهم المميز ولثامهم الأزرق، وعن الواحات التي تنبض بالحياة وسط اتساع الرمال.

كنت أتنقل معه من مدينة إلى أخرى، ومن واحة إلى أخرى، وأحفظ أسماء أماكن لم تطأها قدماي، لكنها تركت صورها في الذاكرة.

أسماء كانت تمر أمامي كأنها بعيدة جدا… ثم اقتربت فجأة.

ولهذا، حين قال لي إنه من الجنوب، وتحديدا… من غات، شعرت وكأنني التقيت بالمدينة قبل أن ألتقي بأحد أبنائها.

«غات… ذلك الاسم الذي مر بي من قبل في حكايات الجنوب، لكنه هذه المرة لم يأت من شاشة أو كتاب، بل جاءني من إنسان يحمل في ملامحه شيئا من المكان.»

كان عبد العزيز فنانا تشكيليا ومصورا فوتوغرافيا، لكنني لم أتعرف إليه من خلال صفته فقط؛ بل بدأت أتعرف إلى مدينته من خلال عينه.

رأيت معه لوحات كثيرة تحمل ملامح غات وتراثها؛ لوحات لأزياء أهلها، وتفاصيل من حياتها، ومشاهد تستعيد شيئا من روح المكان. وكانت صوره تحمل أكثر من مجرد مشهد بصري؛ كانت محاولة للاحتفاظ بتفاصيل المدينة، وتقديمها كما يراها ابن يعرف قيمتها ويخشى أن تضيع بعض ملامحها في زحام الزمن.

وكان يتحدث عن غات بحماس يشبه حماس من لا يصف مدينة فحسب، وإنما يتحدث عن جزء من روحه.

حدثني عن تراثها، وعن الفعاليات والمهرجانات التراثية التي تحتضنها، وعن حضورها الثقافي، وعن رغبة أبنائها في أن تصل صورة مدينتهم إلى الآخرين.

وكان كل ما أراه وأسمعه يضيف طبقة جديدة إلى صورة غات التي بدأت تتشكل في ذاكرتي.

وهنا بدأت أفهم أنني لم أتعرف إلى غات من خلال الكلام عنها فقط، وإنما من خلال إنسان يحملها معه أينما ذهب.

فبعض المدن تصل إلينا قبل أن نصل إليها.

قد تأتيك في صورة، أو لوحة، أو لهجة، أو في وجه إنسان يحمل شيئا منها.

وقد تأتيك أحيانا في صدفة صغيرة لا تبدو في لحظتها مهمة، ثم تكتشف بعد ذلك أنها كانت بابا لحكاية أكبر.

وكانت غات هي ذلك الباب.

حين بدأت أبحث عن غات أكثر، اكتشفت أن ما رأيته في صور عبد العزيز لم يكن سوى طبقة واحدة من مدينة عميقة الجذور.

على تخوم الصحراء الليبية المترامية، تقف غات، أو «أغات» باسمها الأمازيغي الأصيل، حاملة في ملامحها ذاكرة الجنوب، وفي ثقافتها حضور الأمازيغ والطوارق، وفي موقعها أثر طرق قديمة جعلت من الصحراء طريقا للتواصل لا حاجزا بين الشعوب.

لم تكن غات يوما مجرد واحة في قلب الرمال، بل كانت محطة مهمة على طرق القوافل القديمة، وممرا عبرته البضائع والأخبار واللغات والحكايات. كانت الصحراء من خلالها فضاء للقاء، تصل عبره مدن الجنوب الليبي بآفاق الصحراء الكبرى.

وكانت القوافل تحمل معها أكثر من البضائع؛ كانت تحمل الأخبار واللغات والعادات والحكايات، فتلتقي عند الواحة وجوه مختلفة، وتترك كل جماعة شيئا من أثرها في المكان.

ولهذا تبدو غات اليوم وكأنها طبقات من الذاكرة اجتمعت في مدينة واحدة؛ الأمازيغية حاضرة في اللغة والتراث، وروح الطوارق حاضرة في الأزياء والعادات، والعربية حاضرة في الحياة اليومية، لتشكل المدينة نسيجا إنسانيا يعكس تاريخ الصحراء بوصفها مساحة للتلاقي والتبادل.

وككل مدينة عريقة، تحمل غات في اسمها أكثر من حكاية.

فهناك من يربط التسمية بالغيث، باعتبارها واحة كانت تغيث عابر الصحراء، وتمنحه الماء والزاد والأمان. وهناك رواية أخرى تربط الاسم بـ«غوث»، وهو ولي صالح يقال إنه أقام في المدينة، وارتبط المكان باسمه بعد وفاته.

وهكذا لا يبدو اسم غات مجرد لفظ جغرافي، بل جزءا من ذاكرة أهلها، وحكاية تتوارثها الأجيال كما تتوارث البيوت القديمة أبوابها وأسرارها.

وتزداد غات حضورا بما يحيط بها من معالم طبيعية وتاريخية.

في المدينة تقف القلعة القديمة شاهدة على مرحلة من تاريخها، بينما تمتد حولها الجبال والصحراء في مشهد يجعل المكان يبدو وكأنه اختار لنفسه أسوارا طبيعية تحرس ذاكرته.

وفي محيطها تمتد جبال أكاكوس بما تختزنه من نقوش ورسوم صخرية قديمة، شواهد صامتة على إنسان عاش في هذه الأرض منذ آلاف السنين.

هناك، لا تبدو الصخور مجرد صخور؛ فالرسوم القديمة تمنحها صوتا، وتحول الصحراء إلى كتاب مفتوح؛ كل نقش فيه سطر من سيرة الإنسان الأول.

وكأن إنسانا غاب منذ آلاف السنين ترك لنا رسالة واحدة تقول:

«كنت هنا… عشت هنا… ورأيت هذا العالم.»

وهكذا تتحول الصحراء من فراغ إلى ذاكرة، ومن صمت إلى رواية.

ولعل هذا ما جعلني أرى غات بطريقة مختلفة.

فلم تعد المدينة التي عرفتها من بعيد، ولا الاسم الذي عاد إلي عبر صدفة في الفضاء الأزرق؛ أصبحت مدينة أتعرف إليها من خلال إنسان أحبها، وفنان حاول أن يحفظ تفاصيلها.

وهنا تساءلت:

«كم مدينة في بلادنا تحمل مثل هذه الحكايات، ولم تجد بعد من يقترب منها؟»

كان هذا السؤال بداية انتقال الحكاية من غات إلى ما هو أبعد منها.

مع الوقت، لم يعد الحديث بيني وبين عبد العزيز عن مدينة فقط.

بدأنا نتحدث عن أفكار وطموحات مشتركة، وعن المهرجانات والندوات والفعاليات الثقافية والتراثية والسياحية، وعن إمكانية أن نلتقي في مساحات تخدم الثقافة والتراث، وتمنح المدن الليبية فرصة لأن ترى من خلال أبنائها وفنانيها ومبدعيها.

بدأت أشعر أن الصدفة التي جمعتني به لم تكن مجرد صدفة عابرة.

فلم يكن عبد العزيز بالنسبة إلي مجرد ابن غات الذي عرفني بمدينته؛ كان الجسر الذي عبرت من خلاله إلى عالم كامل من الصور واللوحات والملابس والحكايات والتراث.

ومع كل لوحة رأيتها، وكل صورة تأملتها، وكل حكاية سمعتها، كانت غات تكبر في داخلي، حتى لم تعد مجرد مدينة أكتب عنها، بل أصبحت فكرة.

ومن هنا بدأت أفكر في أن تكون غات بداية لحكايات أخرى؛ أن نقترب من مدن بلادنا واحدة تلو الأخرى، وأن نبحث عن حكاياتها من خلال أبنائها، وعن تراثها من خلال فنانيها، وعن جمالها من خلال عيون الذين عاشوا تفاصيلها.

فلكل مدينة وجه، ولكل وجه حكاية، ولكل حكاية باب يقود إلى مكان آخر.

وربما لا تحتاج مدننا دائما إلى من يعرف بها من بعيد، بقدر ما تحتاج إلى من يصغي إلى أبنائها، ويمنحهم مساحة ليقولوا:

«هذه مدينتنا… وهذه ذاكرتنا… وهذا الجزء من بلادنا الذي نريد للعالم أن يراه.»

ولعل أجمل ما في الأمر أنني، حتى اليوم، لم أر الجنوب الليبي بعيني، لكنني عرفته من خلال الذين أحبوه وحملوا حكايته.

فشكرا لعبد العزيز، الذي جاءني من صورة، ثم أصبح بوابتي إلى غات، ومن غات إلى مدن الجنوب الليبي.

وشكرا لبشير بلاعو، ذلك الإعلامي المخضرم الذي جعل الجنوب في الذاكرة.

أما الحكايات الأخرى، فما زالت تنتظر أن تفتح لنا أبوابها…

وربما كانت المدن لا تحتاج إلى من يزورها… بقدر ما تحتاج إلى من يسمعها.

نوال إدريس أبخاطره

كاتبة ليبية

رفعت للتصميم