
حكاية تنزف بصمت خلف ستائر الفرح
حكاية تنزف بصمت خلف ستائر الفرح
نوال إدريس ابخاطره
يوليو.. ذلك الشهر السابع الذي يتسلل إلى الروح قبل أن يداهم التقويم، يهلّ حاملاً ضجيجه بذلك المهرجان المنتظر؛ مهرجان يجتمع فيه الناس على وقع الحكايات الشعبية والأساطير المنسية، يتنفسون روايات تناقلتها الأجيال، ويهتزون طرباً للعروض البهلوانية والرقصات الفولكلورية التي تنبض بهوية أوطانها. يراه الجميع احتفاءً نابضاً بذاكرة التراث، مهرجاناً ثقافياً يفيض بالحياة… أما أنا، فلم أرَ في كل ذلك شيئاً مما رأوه.
لم تمتد عيناي إلى تلك القصص والرقصات، بل أمعنتا في حكاية أخرى، حكاية موجعة لم تُدرَج في برنامج المهرجان، ولم تُروَ على أي منصة، ولم تُعرض في قاعة المحاضرات. حكاية كانت تُنسَج أحداثها في الخفاء، في الظل، بصمت قاتل. حكاية جرّدتني فيها الأقدار من دور البطلة، وقُدّر لي أن أُكتَب فيها لا بقلمي، بل بسهم غدر غُرز في صدري.
ضحكات الجمهور تضجّ في أروقة المهرجان، وأنا وحدي أسمع ضحكات لا يسمعها أحد سواي، وأُصغي لأحاديث لم تذكرها الروايات، وأرى لقاءات كُتبت فيها الفصول الأولى لحكاية لم أكن أعلم أنني جزء من وجعها. حكاية كانت بطلتها امرأة… امرأة لم تكن تجهل وجودي. كانت تعي تماماً أن على الضفة الأخرى من الحكاية تقف امرأة أخرى، امرأة لها بيتها وأحلامها وذكرياتها، وعمرها الذي أمضته مع شريك حياتها. وتعي أن كل خطوة تخطوها نحوه تبعده عن تلك المرأة، وتجعلها غريبة عنه. وتدرك أن كل لحظة سعادة تعيشها معه، يقابلها وجع يسكن قلب الأخرى ويمزّق روحها.
كانت تدرك أن وراء هذه الحكاية بيتاً يتصدع، وروحاً تتمزق، وكبرياء يُهان، وأحلاماً تتساقط حُلماً بعد حلم… كانت تعرف أن بداية حكايتها الجديدة هي نهاية حكاية تلك المرأة، وأن سعادتها تُبنى فوق أنقاض حياة أخرى. امرأة لها مشاعر وأحاسيس وحق في الحب والاستقرار… لكنهما استمرا في نسج الحكاية، وكأن وجع تلك المرأة لم يكن يعني لهما شيئاً، وكأن الخراب الذي خلّفته خطاهما في حياتها مجرد موقف عابر، وثمن بخس لا يكاد يُذكر.
لم تكن وحدها من نسج هذه الحكاية، بل كان هو… شريكها الأول فيها. هو الذي تناسى حكايته القديمة مع تلك المرأة، مع زوجته، بكل ما حوته من سنوات وذكريات وأيام صعبة وجميلة عاشاها معاً. قرر أن يطوي ثلاثة عشر عاماً من العمر وكأنها فصل انتهى، وأن يفتح فصلاً جديداً لا مكان لها فيه… جعل المرأة الغريبة بطلة حكايته الجديدة، ومنحها الدور الذي كانت تتمناه، بينما جرّد الزوجة والرفيقة من كل أدوارها. لم يعد يراها زوجةً شاركته العمر، ولا رفيقة درب وقفت إلى جواره في محطات حياته الكثيرة، بل جعلها وكأنها طيف على هامش الحياة، لا تستحق حتى الظهور في المشهد. وكأن الحكاية التي عاشتها معه بكل صدق لم تعد تستحق أن تُروى. وكأن السنوات التي منحتها إياه لم تعد تساوي شيئاً.
لقد منح النجمة الجديدة مكانة البطلة، ومنح الرفيقة المحبة دور الغائبة، ومضى في كتابة القصة الجديدة غير ملتفت إلى حجم الخراب الذي تركه خلفه. ولعل أكثر ما يؤلم، أن تلك المرأة كانت سعيدة بذلك الدور، لا يهمها قلبٌ كُسر، ولا روحٌ أنهكها الوجع، ولا كم دمعة سقطت في الطريق. كان يكفيها أن تكون البطلة الوحيدة، أن تخلو لها الساحة من أي منافس، أن تقف وحدها تحت الأضواء، ولو كان ثمن ذلك أن تُطفأ حياة امرأة أخرى بالكامل. أبهذه السهولة تخلّت عن إنسانيتها في سبيل هذا الدور أبهذه البساطة استمتعت بالتصفيق، دون أن تسمع في الخلفية صوت الانهيار الذي كانت تسببه في حياة غيرها…
أما الأخرى، فبقيت خارج المسرح كله، تحمل بقايا الحكاية الأولى، وتتساءل كيف يمكن لقصةٍ بدأت بالحب أن تنتهي بكل هذا القدر من الخذلان.
لهذا لم أكن أرى ما يراه الزوار، بل كنت أرى حكاية تمشي بين الجموع بثوب الصمت، أرى الأماكن التي يلتقون فيها، والشوارع الشاهدة على عناقهم وتشابك أيديهم، أرى المقاهي والصور والرسائل التي نسجت القصة بينهم، والتي… لم يكن لي فيها سوى دور الضحية.
لم تأتِ النهاية فجأة، بل بدأت تتشكل ملامحها من اللحظة التي سبقت السفر، حين شرع يجهز حقيبته. هناك، اتضحت لي الحقيقة جلية، وكأن تلك الرحلة كانت بداية النهاية. أحياناً لا نكتشف الخيانة من اعتراف صريح، أو دليل ملموس، بل من تفاصيل صغيرة جداً: من اختيار ملابس بعينها، ومن انتقاء عطور مختلفة، ومن تلك الروح التي تشع فرحاً على غير عادتها. كان يجهز أغراضه للسفر بسعادة لم يستطع إخفاءها، لاحظت فرحاً يرتسم على ملامحه، كان قلبه يسبق خطواته إلى ذاك المكان. لم أستطع إخفاء ما شعرت به، ونظرت إليه وهمست بصوت مثقل: «هذه الرحلة هي النهاية». كان شيئاً في داخلي يرى ما لم أكن أريد تصديقه، شعرت أن هذه الرحلة لم تكتفِ بأن تأخذ حقيبته فقط، بل ستأخذ معها ما تبقى من حكايتنا.
وشعرت في تلك اللحظة بعمق العبارة المؤلمة لفيودور دوستويفسكي: “ليس أشد ألمًا من أن تدرك أن كل شيء قد انتهى، بينما لا يزال كل شيء يبدو كما هو”.
… ويعود شهر يوليو، ويعود المهرجان، وتعود معه الذكريات المؤلمة، وتعود تلك الصور والأسئلة التي لم أجد لها أجوبة، والتي حاولت كثيراً دفنها. أصبح هذا المهرجان يؤلمني، ومجرد سماع اسمه يوقظ في داخلي جرحاً عميقاً. مهرجان ارتبط في ذاكرة الجميع بالفرح والحياة، وفي ذاكرتي ارتبط بالغياب والخذلان.
مهرجان سعيتُ لحضوره لا بصفة الكاتبة، بل رفيقة درب له. لم أرفع سقف أحلامي… كنت أريد فقط أن أكون جزءاً من عالمه الذي كان مكتملاً بي، وأن أشاركه الطريق والسفر والحلم واللحظات الجميلة التي لطالما خططنا لها. لكنني كنت أُستبعد دائماً، وتُقال لي مبررات زائفة تخفي السبب الحقيقي الذي لم يمتلك الجرأة للإفصاح عنه: أن أبقى بعيدة، حتى ينتهي من كتابة حكايته الجديدة.
الحكاية التي بدأت همساً، ثم تحولت إلى علاقة، ثم إلى خيانة هدمت حكاية عمر طويل عشته له وحده، لم يشاركه فيه بطل آخر. ثلاثة عشر عاماً من الذكريات والأحلام، حياة كاملة ظننت أنها كافية لحياة آمنة مستقرة، انطفأت وانهارت أمام حكاية سلبتني الطمأنينة والاستقرار والثقة. طويت حكايتي كما تُطوى صفحات كتاب قديم… حكاية لن يحتفل بها أحد، ولم يصفق لها أحد، ولم يروِها أحد. لكنني عشتها، ولا زلت أعيش تفاصيلها المؤلمة.
رفعت للتصميم













