مقالات الذكاء الاصطناعي…

الجزء الثاني: مقالات الذكاء الاصطناعي…

ا.د حمام محمد جامعة الجلفة…الجزائر

البرومبت: وهم السيطرة على الذكاء الاصطناعي أم مهارة في هندسة السؤال؟

إعلانات «السيطرة على مفتاح الذكاء الاصطناعي» تشبه، في بعض وجوهها، إعلانات بيع العقارات الطبية على الإنترنت التي تتحدث عن «تقوية» الإنسان وشدّ قوته، لا لأنها محاولات عديمة القيمة، وإنما لأنها كثيراً ما تقدم الأمر على أنه اكتشاف لمفتاح سحري يتيح التحكم في الذكاء الاصطناعي وإلزامه بإجابات محددة.

والمقصود هنا ما يسميه أصحابه البرومبت (Prompt)، وهي جمل أو تعليمات قد تكون طويلة وقصيرة، تُصاغ في شكل أوامر أو توجيهات معينة للذكاء الاصطناعي، من أجل الحصول على إجابات أكثر ضبطاً، أو معالجتها من زوايا مختلفة. وهذا، في حد ذاته، عمل جدي ومفيد، أدى بالمهتمين بهذا الشأن إلى التفكير في كيفية صياغة السؤال، لأن مخرجات الذكاء الاصطناعي ترتبط، بدرجة كبيرة، بتركيب السؤال، وما يُراد منه، والسياق الذي يوضع فيه.

وللتوضيح، تُركَّب في السؤال عبارات وملفوظات وتوجيهات تساعد الذكاء الاصطناعي على فهم المهمة، ثم إنتاج الإجابة في صياغة أكثر ملاءمة لما طلبه السائل. غير أن بعض المستخدمين يتعاملون مع هذه النتيجة وكأن صاحب البرومبت (Prompt) قد اكتسب «كلمة السر» أو «التعويذة» التي تتيح له إجبار الذكاء الاصطناعي على الإجابة من الزاوية التي يريدها.

وعلى كل حال، لا ينبغي أن نقول إن هذه المحاولات مهدرة أو بلا قيمة، بل هي محاولة تعكس مرحلة من مراحل اكتشاف طبيعة عمل الذكاء الاصطناعي وفهم العلاقة بين الإنسان والآلة. فالإعلامي أو صاحب الفكرة الإبداعية يستطيع أن يبني أسئلة دقيقة ومتعددة، وأن يستخدم هندسة البرومبت (Prompt Engineering) للحصول على إجابات أكثر تحديداً وتنظيماً وملاءمة للمهمة المطلوبة.

لكن خارج هذا الإطار، لا يمكن الجزم بأن القدرة قد تحققت في صورة «سيطرة» على جزء من آلية عمل الذكاء الاصطناعي، الذي يقوم على آليات معقدة داخل عالم الخوارزميات. وعندما نقول «معقدة»، فإننا لا نريد قطع الطريق أمام مثل هذه المحاولات، فقد تكون هذه المرحلة نفسها جزءاً من مسار التعلم والاكتشاف في علاقتنا الناشئة بالذكاء الاصطناعي. غير أن المشكلة تبدأ عندما تتحول مهارة صياغة السؤال إلى وهم تقني بالسيطرة.

فالـ Prompt لا يخضع الذكاء الاصطناعي، وإنما يحدد له مجال المهمة والسؤال والسياق. وهو أشبه بمن يبني في بيته غرفة ويضع لها باباً، فيحدد من خلال تصميمها كيفية الدخول إليها والخروج منها، دون أن يعني ذلك أنه امتلك البناء كله أو أحاط بكل ما يجري داخله.

ومن هذه الزاوية، فإن البرومبت هو سؤال محكم، مفصل الأرجاء، يحدد المهمة المطلوبة ويمنح النموذج سياقاً أوضح للاستجابة. وإذا صح التعبير، فهو مهارة لغوية واتصالية تشبه ذلك العاشق البديع الذي أراد أن يعبر لحبيبته عن غيرته عليها بتقطيع عروق يده، لا كل العروق، فيحدث بذلك في قلب المتيمة شعوراً نادراً؛ فليست العبرة بكثرة الكلام، وإنما بقدرته على إصابة المعنى المقصود.

لقد أصبح كثيرون يتعاملون مع الذكاء الاصطناعي تعاملاً استهلاكياً، وكأنهم توصلوا إلى طريقة لإيقاف مساره أو إخضاعه وإلزامه بمجرد «برومبت» طويل. وينسون أن البرومبت نموذج من نماذج السؤال والتوجيه، وأن الاستجابة تتشكل في ضوء المعلومات والسياق والتعليمات والآليات الخوارزمية التي يعمل بها النموذج.

وهنا يحدث الوهم: يكتب المستخدم جملة طويلة، فيحصل على إجابة دقيقة ومفصلة، فيعتقد أن الجملة نفسها أصبحت «مفتاحاً سرياً» يملك به الذكاء الاصطناعي. والحقيقة أن ما حدث غالباً هو أن المستخدم حسّن شروط السؤال، فحصل على مخرجات أكثر ملاءمة للمطلوب. والفرق بين الأمرين كبير؛ فالأول وهم بالامتلاك، والثاني مهارة في التواصل مع الآلة.

على الرغم مما فيه هاته الصياغات فان الخوف أن يتحول هذا التعلم إلى خطاب دعائي يوهم المستخدم بأنه اكتشف «مفتاح الذكاء الاصطناعي» ومن هنا، فإن البرومبت ليس عصا سحرية، ولا أمراً فوق الخوارزمية، وإنما هو هندسة للسؤال داخل فضاء احتمالي معقد. ولعل المفارقة الأجمل أن بعض الذين يعلنون أنهم «أخضعوا الذكاء الاصطناعي» لم يفعلوا سوى انهم تعلموا كيف يسألون سؤالاً وجيها.

رفعت للتصميم