
حين تتحول العلاقة إلى سجنٍ بلا جدران
ليست العلاقات الزوجية بما تحمله من مودة ورحمة مجرد عقد يجمع بين رجل وامرأة، فهي ميثاق إنساني عميق، يقوم على الحوار والاحتواء والاحترام والتقدير المتبادل، وحين يغيب هذا الحوار، ويحل الصمت محل الكلمة، والجفاء محل المودة، تتحول العلاقة شيئاً فشيئاً إلى فضاء بارد، تخبو فيه المشاعر، وتذبل فيه الأحلام، حتى يصبح البيت قائماً بجدرانه، لكنه فاقد لروحه.
إن الصمت الزوجي قد يكون في كثير من الأحيان إعلاناً صامتاً عن انهيار التواصل، وانطفاء الرغبة في الإصلاح، واستسلام أحد الطرفين أو كليهما لفكرة أن الآخر لم يعد يعني له شيئاً، وحين يصبح الصمت لغةً يومية، ويتحول التجاهل إلى أسلوب حياة، فإن العلاقة تدخل مرحلة الاحتضار، وإن بقي الزوجان تحت سقف واحد.
إن أخطر أنواع الصمت ذلك الذي لا ترافقه نظرة حانية، ولا ابتسامة عابرة، ولا سؤال عن الحال، ولا اهتمام بالتفاصيل الصغيرة التي كانت يوماً تصنع دفء العلاقة. فحين يمر الزوج بجوار زوجته وكأنها غريبة، أو تعيش الزوجة إلى جانب زوجها وكأنه مجرد شخص يشاركها المكان، يكون كل منهما قد بدأ في بناء جدار غير مرئي يفصل بين قلبين كانا يوماً نابضين بالمحبة.
والعلاقة السامة تبدأ غالباً حين تتوقف الكلمات الجميلة، ويغيب الإصغاء، وتُهمل المشاعر، ويُستبدل الحوار بالصمت، والاهتمام باللامبالاة، عندها يشعر أحد الطرفين بأنه أصبح غير مرئي، وأن وجوده وعدمه سواء، فتتسلل إلى نفسه مشاعر الوحدة وهو يعيش مع شريك حياته، وتلك من أقسى صور الوحدة التي قد يعيشها الإنسان.
وقد يظن البعض أن الصمت يجنّب الخلافات، لكنه في الحقيقة يؤجلها فقط، ثم يحولها مع مرور الوقت إلى تراكمات نفسية يصعب تفكيكها. فالكلمات التي لا تُقال تبقى حبيسة الصدور، وتتحول إلى ألم، ثم إلى فتور، ثم إلى نفور، وربما إلى كراهية صامتة لا يسمعها أحد، لكنها تُرى في الملامح، وتُقرأ في العيون، وتنعكس في تفاصيل الحياة اليومية.
وتزداد خطورة العلاقة السامة حين يكون الأبناء شهوداً عليها. فالطفل لا يتعلم الحب من الكتب، فهو يقرأه في نظرات والديه، وفي طريقة حديثهما، وفي احترام كل واحد منهما للآخر. فإذا نشأ في بيت يخلو من الحوار، ويغمره الصمت، ويهيمن عليه التوتر، فإنه يحمل تلك الصور إلى داخله دون أن يشعر، فتتشكل شخصيته على الخوف، أو القلق، أو الانطواء، أو العدوانية، وربما يفقد ثقته في معنى الأسرة والاستقرار.
وحين يكبر هؤلاء الأبناء، كثيراً ما يعيدون إنتاج ما عاشوه. فمنهم من يدخل الحياة الزوجية وهو يخشى الحوار لأنه لم يتعلمه، ومنهم من يعتبر الصمت وسيلة للعقاب، ومنهم من يظن أن التجاهل جزء طبيعي من العلاقة، فيكرر المشهد ذاته مع شريك حياته، وكأن الألم ينتقل من جيل إلى آخر، ما لم يتوقف أحدهم ليكسر هذه الحلقة المؤلمة ويؤسس لعلاقة صحية تقوم على الاحترام والتفاهم.
وقد ينجح بعض الأبناء في تحويل معاناتهم إلى درس عميق، فيقررون أن يبنوا حياة مختلفة، وأن يجعلوا الحوار أساساً لعلاقاتهم، والاحترام منهجاً في تعاملهم، فيصححون ما اختل في الماضي، ويؤسسون مستقبلاً أكثر استقراراً لأنفسهم وأبنائهم، لكن هذا النجاح يحتاج إلى وعي، وإلى شجاعة في مواجهة آثار الماضي، وعدم الاستسلام لها.
إن العلاقة الزوجية لا تحتاج إلى الكمال، وإنما تحتاج إلى الصدق. ولا يشترط أن يتفق الزوجان في كل شيء، ولكن من الضروري أن يعرف كل منهما كيف يختلف باحترام، وكيف يعبر عن مشاعره دون تجريح، وكيف ينصت قبل أن يتكلم، وكيف يعتذر إذا أخطأ، ويغفر إذا استطاع. فالكلمة الطيبة قد تُحيي قلباً أوشك على الانطفاء، والابتسامة الصادقة قد تهدم جداراً بناه الصمت خلال سنوات.
إن البيوت لا تنهار بسبب كثرة الخلافات وحدها، وإنما تنهار حين يفقد الطرفان الرغبة في الإصلاح، ويصبح الصمت بديلاً عن الحوار، والتجاهل بديلاً عن الاهتمام، والبرود بديلاً عن المودة. فهناك بيوت يعلو فيها النقاش، لكنها تبقى عامرة بالمحبة، وهناك بيوت لا يُسمع فيها صوت، لكنها تعيش موتاً بطيئاً لا يراه إلا من يسكنها.
إن الحب يذبل بالإهمال، ويختنق بالتجاهل، ويحتضر بالصمت الطويل. لذلك فإن المحافظة على العلاقة هي مسؤولية مشتركة، تتطلب جهداً يومياً، وحرصاً دائماً على إبقاء أبواب الحوار مفتوحة، مهما اشتدت الخلافات، ومهما تعقدت الظروف.
وفي النهاية، تبقى الأسرة المدرسة الأولى التي يتعلم فيها الإنسان معنى الحياة. فإذا امتلأت بالمودة، خرج منها أفراد يعرفون الحب ويحسنون العطاء. أما إذا سيطر عليها الصمت القاتل والعلاقة السامة، فإن آثارها لا تتوقف عند الزوجين، بل تمتد إلى الأبناء، ثم إلى المجتمع بأسره. ولهذا فإن إنقاذ العلاقة ضرورة إنسانية وأخلاقية، لأن الكلمة التي تُقال في وقتها قد تُنقذ قلباً، وتحفظ أسرة، وتمنح جيلاً كاملاً فرصة أن يتعلم أن الزواج سكن ورحمة، لا عزلة ووحشة، وأن المودة تُحفظ بالحوار، والاحترام، والمحبة المتجددة.
بقلم للاإيمان الشباني











