
في فلسفة كتابة القصيدة
( كلمة إلى زملائي الشعراء )
أيها الأصدقاء…
كلما تقدمتُ في دروب الشعر، ازددتُ يقينًا أن القصيدة ليست كلماتٍ تُرصُّ بجوار كلمات، ولا وزنًا يُتقن الشاعر السير عليه، وإنما هي تجربةٌ إنسانيةٌ صادقة، تنبض بالحياة قبل أن تنبض بالموسيقى.
لقد تعلمتُ أن الوزن وسيلةٌ وليس غاية، وأن العَروض خادمٌ للقصيدة، لا سيدٌ عليها. فإذا تعارض الوزن مع صدق التجربة، وجب على الشاعر أن يبحث عن صياغةٍ تجمع بين الاثنين، لا أن يضحي بروح النص من أجل سلامة البحر.
وتعلمتُ أيضًا أن أجمل القصائد ليست تلك التي تستعرض البلاغة، وإنما تلك التي تجعل البلاغة خادمةً للفكرة. فالصورة الشعرية لا تُخلق لتدهش القارئ فحسب، بل لتقوده إلى معنى أعمق، وإحساسٍ أبقى.
ومن أهم ما أدركته أن لكل قصيدة قلبًا واحدًا، فإذا تفرقت بها الأفكار ضاع نبضها. لذلك أبحث دائمًا عن الفكرة المركزية، ثم أجعل كل بيتٍ يدور في فلكها، حتى تبدو القصيدة كأنها نَفَسٌ واحد، لا أبياتٌ متجاورة.
وأؤمن أن الحذف من أصعب فنون الكتابة. فكثيرًا ما يكون حذف بيتٍ جميل سببًا في ولادة قصيدةٍ أجمل. فليست العبرة بكثرة الأبيات، وإنما بقوة أثرها، وليس كل ما يُكتب يستحق أن يبقى.
كما أنني لا أكتب لأصف الحدث، بل أبحث عما يكشفه الحدث من حقيقةٍ إنسانية. فالحدث يمر، أما الحقيقة فتبقى، والقصيدة الخالدة هي التي تمسك بما يبقى، لا بما يزول.
ولا أقيس نجاح القصيدة بعدد المصفقين لها، بل بقدرتها على أن تستقر في وجدان القارئ، وأن يجد نفسه فيها، وكأنها تتحدث عنه هو، لا عن الشاعر.
وأخيرًا…
أنصح كل شاعر أن يكتب بقلبه أولًا، ثم بعقله ثانيًا، وأن يجعل اللغة في خدمة الإحساس، لا الإحساس في خدمة اللغة. فالكلمات مهما بلغت فصاحتها، تبقى عاجزةً إذا لم تسكنها روحٌ صادقة.
هذا ما خرجتُ به من رحلتي مع الشعر، وما زلتُ أتعلمه في كل قصيدةٍ أكتبها، مؤمنًا بأن الشاعر الحقيقي لا يتوقف عن التعلم، وأن أجمل قصيدةٍ ربما تكون هي التي لم يكتبها بعد.
بقلم د. محمد خضر الشيخ
الشاعر والناقد الأدبي











