
غرفة تتسع لثلاثة
شعرت باختناق شديد وأنا في طريق العودة إلى بيتي في وقتٍ متأخر، لم أكن أعلم سببه.. أتذكر وأنا أقترب من باب شقتي أنني لمحت الضوء في غرفة نومي.. سألتُ نفسي: أتراني نسيتُه مضاءً؟ تقدمت خطوة.. كانت هواجس تسابق خطوتي.. تراجعت خطوتين.. كان الخوف قد بدأ يتسلل إلي.. ثم قررت ان أفتح الباب بحذر.. أدخلتُ رأسي متوجسة.. جلت ببصري أتفحص المكان قبل أن أتقدم خطوة.. ظننتُ أن أحدا اقتحم بيتي، وينتظرني لينقضّ عليّ.. كيف أقنعه بأنني لم أعد أملك ما يُسرق؟ وأن من حولي سبق أن بددوا أحلامي!.. لكن دهشتي بلغت ذروتها حين رأيتني مستلقية على سريري، آكل البذر وألقي بقشوره في كل اتجاه، غير آبهة بالفوضى التي أخلفها.. كأن عاصفةً عبرت غرفة نومي قبل لحظات..
وما أذهلني أكثر أنني رأيتني وأنا على السرير، أتبادل الحديث معي!. نعم، معي، أنا الأخرى الجالسة على الأريكة!. تحمل كتابًا بين يديها، ويبدو أن موضوعه كان بالغ الأهمية، إذ رأيتها غارقةً في صفحاته، لا يكاد العالم من حولها يعنيها.. شعرتُ لحظتها بأنني سجينة جسدي، فيما كانت ذاكرتي تجوب عوالم اخرى..
صرخت بلهجة الواثق من خطاه:
— ما دهاكما؟ ماذا تفعلان؟ وكيف دخلتما غرفتي؟
حدقتا إليّ في استغراب، ثم قالتا:
— نحن هنا مذ سقطنا من رحم أمنا ذات ليلة باردة وماطرة.. لم نغادر الغرفة حتى نسأل الدخول إليها.. راجعي ذاكرتك، تخبرك باليقين..
في تلك اللحظة خطرت لي فكرة موجعة.. لعل كلَّ إنسانٍ قد يقتل.. يقتل من يحب، بالحقد، ثم يخفي ظله في شقوق ذاكرته.. أو بفرط الحب حتى إذا تلاشى من يحب.. أصبح رمادا تذروه الرياح.. أو بقبلةٍ على أرصفة الحياة ثم يمضي غير آبه للهواجس التي بعثرتها أقدام المارة فلا يبقى منها سوى الذبول.. وقد يقتله بيد مرتعشة تمسك اليراع تحت ضوء شاحب، وتعجز عن ان تخط أحلامه التي انهكها حر المسير..
سألتُ نفسي، في ذهول:
— أَيُّنَا أنا؟ متى انفرطت مني حقيقتي؟!
انزويتُ جانبًا، وشرعتُ أتفرج عليهما.. كانتا تتجاذبان الحديث في وجوم.. وتعيدان نسج الحكايات وقد آلت إلى ما آلت إليه.. بدتا اي تهيمان في واد سحيق..
غمرني حزن عميق.. كانت كل دمعة تنحدر على خدي تختزل حكاياتي الهرمة.. وقد احترقت أوراقها، وغدت أرواح شخصياتها شفافةً كالزجاج.. ساعتها أحسست أنني أنا ايضا أحترق غير أنني لم أتبدد.. لم أتحول بعد إلى رماد..
بقلم عتيقةهاشمي











