سبْعُ قصص قصيرة

بقلم الكاتب عبد القادر عويس

 

1- حلم

 

رأيتُني مع أمّي، في حمّام النساء.

كنتُ طفلاً دون الرابعة من العمر، ألعبُ عارياً وسط النساء العاريات، بينما أمي تراقبني بحزم، وهي في ركنها الأثير، محاطة بالقباب المليئة بالماء الساخن، قبل حلول اللحظة التي أتوجّسُ منها، حين تدعوني إليها، كي تَفرك جسدي الصغير فركاً لا أطيقه، ثم تغسل شعري بالغاسول الذي يلسع العينين.

فجأةً، اختفَت أمي ولم يبق لها أثر، أمّا الطفل الذي كنتُه، فقد صار في طرفة عين رجُلاً في الثلاثين، يقف عارياً بين نساء عاريات. وإذا بالنساء يصرخن ويَلطمن وجوههن وبعضهن يرمينني بالدلاء والقباب، وأخريات اقتربن مني وأنشبن أظفارهن في لحمي، وأنا عاجز عن الدفاع عن نفسي، أريد فقط أنْ أفهمَ كيف مر الزمن بهذه السرعة العجيبة، وكيف كبرتُ في غفلة مني.

ثم جاءت الجَلّاسة، فانتابها الذعر حين رأتني على تلك الحال، ونادت بالويل والثبور، ولما طلبتُ منها قماشاً أستترُ به، قالت لي:

-ستأتي الشرطة حالاً وتسترك!

هكذا بقيت هناك عارياً في انتظار الشرطة، وحولي نساء عاريات في حالة هياج.

كان أملي الوحيد عندئذ هو أن أعود طفلاً بريئاً كما كنت، وأن تظهر أمي من جديد في ركنها الأثير، ثم تناديني كي تفرك جسدي الصغير، بمزيج من الخشونة والحنان.

 

2- عودة الأب

 

مضيتُ إلى محطة القطار في الموعد المحدد، ووقفتُ في انتظار أبي، الذي هجرَنا منذ سنوات طويلة.

ولمّا توقفَ القطارُ في المحطة، رأيتُ أبي يجلس في العربة الثانية، وينظر عبر زجاج النافذة. التقَت نظراتُنا، فأشارَ إليّ بيده، من خلف الزجاج، وأشرتُ إليه بيدي، وابتسمَ لي وابتسمتُ له، ثم رأيتُ الركاب ينزلون جميعاً من القطار، إلّا أبي، فقد بقي وحده جالساً بداخل العربة الفارغة، يبتسم لي ويُلوّح بيمناه، دون أن يغادر مكانَه، إلى أن انطلق به القطارُ من جديد.

 

3- في الصالون

 

دخلتُ صالونَ الحلّاق كي يقصّ شعري الطويل.

كنا في عز الشتاء، وكان الصالون خالياً من الزبائن، والمطر الغزير لم يتوقف منذ أيام.

ولمّا جلست على كرسي الحلاقة، رأيتُ مياهاً كثيرةً تندفع بقوة في الخارج، ولم تمض لحظات حتى تَحوّلَ الشارع إلى نهر متدفق.

كان الناس يحاولون العبور إلى أمكنة آمنة، قدر المستطاع، أما الحلاق فقد بقي هادئاً تماماً، وهو يقص شعري بالعناية اللازمة.

ولمّا نفذ الماء إلى صالون الحلاقة وشرع يرتفع ويغمر الأرائك والكراسي، حاولتُ الوقوفَ كي أنجو بنفسي، لكن الحلاق العملاق، المفتول العضلات، منعني من ذلك بحركة قوية، واستمر في تركيزه على شعري، وهو يقول لي:

-لا تهتم، سأنتهي من حلاقة شعرك قبل أن يغمرنا الماء.

 

4- الحَكَم

 

خرجتُ للنزهة، صباح يوم الأحد، فاكتشفتُ أنّ الحي قد خلا من سكانه.

حتى الملعب الشعبي لكرة القدم، الذي يجتمع فيه خَلقٌ كثير من أبناء الحي، في مثل هذا الصباح، كان مقفراً تماماً، فليس ثمة لاعبون ولا متفرجون.

لم يكن هناك سوى رجل في مرحلة الكهولة، يرتدي اللباس الرسمي لحكام كرة القدم، ويجري وحيداً وسط ذلك الملعب المترب، وهو يقوم بالحركات المعتادة التي يقوم بها الحكام، خلال مباريات الكرة.

كانت صلعتُه البرّاقة، الشبيهة بصلعة الحكم كولينا، تلتمع تحت أشعة الشمس.

وقفتُ في ظل شجرة محاذية للملعب، وشرعتُ أتفرج على ذلك الحكَم وهو يركض وحيداً، في مختلف الاتجاهات، ويقوم بحركاته الغريبة، كأنه يتوجه إلى لاعبين لامرئيين. ولما أبصرني، جاء مسرعاً نحوي ثم وقفَ أمامي وأثبتَ عينيه في عينَيّ، بالكثير من التحدي، وأخرجَ من جيبه الخلفي بطاقةً حمراء، وأشهَرَها في وجهي بحركة صارمة.

 

5- صراخ

———

خرج رجل غاضب إلى الشارع وأطلق صرخة عظيمة، فتحولت تلك الصرخة إلى إنسان من لحم ودم.

أطلق ذلك الإنسانُ الجديدُ صرخةً عظيمةً فتحولت صرخته إلى إنسان غاضب. تكرر المشهد نفسه طيلة النهار، ولم تكد تغرب الشمس، حتى امتلأت شوارع المدينة بالغاضبين وبصراخ الغاضبين.

 

6- إعدام

 

نطق القاضي بحكم الإعدام على المجرم القاتل.

صَفّقَ الحاضرون طويلاً، لكنّ القاضي لم يتوقف عند ذلك الحد، بل حكمَ بالإعدام على نفسه أيضاً وعلى ممثل النيابة العامة وعلى محامي الدفاع وكاتب الضبط، وكذلك على رجال الشرطة المكلفين بحراسة المجرم.

 

7- الدكتورة بيرينيس

 

ذات صباح، أطلّ أنطونان آرطو من نافذته، بالغرفة رقم 6، بمستشفى “ڤيل إڤرار” للأمراض العقلية، فرأى الطبيبةَ الحسناء، الدكتورة بيرينيس، بقميصها الشفاف وتنورتها القصيرة، وهي تُرَوّض ثلاثة أسُود في حديقة المستشفى.

شرع يقول لها بأعلى صوته:

-أيتها المخلوقة الشريرة! لقد صَدَّ هذا المستشفى عدةَ هجومات مسلحة في الماضي، لكنه لن يستطيع صدّ الهجوم القادم، وستلقين حتفك فيه.

كان آرطو يعرف جيداً أنّ تلك الطبيبة قد بدأت حياتَها العملية مروضةَ أسُود في السيرك، ثم أصبحت ممثلةً سينمائيةً، قبل أن تصير طبيبةً مختصةً في الأمراض العقلية.

وكان يعرف أن لها أختاً توأماً، تسمى كاناندا، تعيش في جبل أولمبوس مونس، بكوكب المريخ، حيث تشتغل باحثةً في علوم الفضاء.

كانت الأختان تتشابهان مثل قطرتي ماء، وكثيراً ما تتبادلان الأدوار، فتصعد الدكتورة بيرينيس إلى جبل أولومبوس مونس، بالكوكب الأحمر، حيث تتحول إلى باحثة فضائية، وتهبط كاناندا إلى مستشفى ڤيلْ إڤرارْ، حيث تصبح طبيبةً نفسانيةً، دون أن يفطن أحد للأمر.