
وَأنا تَحْتَ الثَّرَى
وَأنا تَحْتَ الثَّرَى!..
كَمْ تَعَلَّقَ هَذَا الرُّوْحُ بِرُوْحِي، وَتَلاشَتْ الأشْيَاءُ قَرارَةً، وأحْدَقَتْ بإزائِها غَرابَةٌ صَفِيْقَةْ، إفْنَاءً لِمَا تَبَقَّى مِنْ عَلائِقِي فَوْقَ ذاتِ الثَرَىْ؟!..
وَكَمْ احْتَاجَ بَعْضِيَ الآخَرْ إليَّ، حَاجَةَ تَتْمِيْمٍ وَتَكْمِيْلٍ، وعِرْفانٍ خالِصٍ جَمِيْلْ، بِمَا يُلائِمُ انْتِقالي الى مَا بَعْدَ رَحابَةِ المَوْت؟!..
ألَا وَهُوَ اليَوْمُ الذِي يُرافِقُنِي فِيْهِ عَقْلِيَ الرَاشِدِ، الى قَبْرِي سِراعاً عَدْواً على الأسْبَابْ تَتْرَىْ!..
ألَا أيُّها الجَسَدُ المُسَجَّى!..
أُرْقُدْ هُنَا بِسَلَامْ، مُعَزَّزاً مُكَرَّماً، فجَدِيْرٌ بِكَ أَنْ تَحْيَا القَرارَ والسُّكُوْنَ تَحْتَ هَذَا التُرَابْ، وَلَسَوْفَ أَحْيَاكَ فِي حَيَاتِكَ الدُّنْيَا ذِكْراً طَيِّباً، مُخَلَّداً عَلى الأشْهادْ، فأنا نَفْسُكَ الحَكِيْمَة التي رافَقَتْكَ زُهَاءَ رُزْمَةٍ مِنَ العُقُوْدِ، مِنْ ظُلْمَةِ الرَّحْمِ الى ظُلْمَةِ هَذَا المُلْتَحَدْ!..
ألَا أيُّها الجَسَدُ المُسَجَّى!..
سأتَّخِذُ مِنْكَ عِبْرَةً عابِرَةْ فَوْقَ النَقائِضِ ، والأضْدَادْ، وهِي مُسَلَّمَةٌ مِنْ خَواصِ الطَبِيْعَةِ التى لا تَنْأى بطَبْعِها عَنْ دَيْمُوْمَةِ الإنْسِيابْ!..
ألَا أيُّها الجَسَدُ المُسَجَّى!..
سأوْصِي بِكَ هَذَا الخُوْصُ، المُنْطَرِحِ تَحْتَ صُدْغِكَ القَوِيْمِ، بألَّا يَقْرَبُوْنَكَ عُنْوَةً، أوْ يَطالوْنَكَ بأذى التَّحَلُلِ والأكْسَدَةِ، لأنَّ إكْسِيْرَكَ كَانَ طاهِراً ماهِراً باهِراً فِي الهَوَاءْ، عَصِياً على الدَّهْماءْ، يَهُشُّ عَليْهِمْ هَشَّ مُنَازِعٍ طالَ بِهِ العَنَاءُ، فِي تَجْدِيْدِ سَدِيْدِ الآرَاءِ، والحَلْفَاءْ اليَابِسَةِ التي كَانُوا يَسْتَتِرُوْنَ بِهَا، وَمَا هُمْ بأحْياءْ!..
ألَا أيُّها الجَسَدُ المُسَجَّى!..
هَلْ كُنْتَ تَبْحَثُ عَنْ إبْتِسامَتِكَ التِيْ فَقَدْتُها فِيْ آخِرِ عَزاءْ، على نُقْطَةِ ارْتِكَازٍ فَوْقَ مَزَامِيْرِ الخُلُوْدِ، وَعلى بُعْدِ باعٍ مِنَ الدُعاباتِ الماضَوِيَّةِ، التِيْ انْكَفأَتْ بِسَرْدِها الخاسِرِ أَمامَ كُلّْ الحَقِيْقاتِ التي اجْتاحَتْ رَجاءَكَ، وَآمالَكَ، قَبْلَ المُبْتَغَى وَعَظِيْمِ مُناكَ؟!..
أمْ كُنْتَ لَازِباً لِكُلِّ مَنْ حَوْلَكَ مِنَ الأفَّاكِيْنَ، كَيْ يَشْرَبُوا تِرْياقَ الدَهْشَةِ المُغَلَّفَةِ بالحُقْدِ، والْحَسَدِ، والمُعَلَّبَةِ بالحَمَقِ، والغَباءْ؟!..
ألَا أيُّها الجَسَدُ المُسَجَّى!..
اسْجُدْ بِوَعْيِكَ الرَفِيْعِ أمامَ البَاقِياتِ مِنَ الصَالِحَاتِ المَمْنُوْحَاتِ لرُؤْياكَ، وارْكَعْ الى كُلِّ الذينَ عَابُوْكَ، وباعُوْكَ بالتَحِيَّاتِ، عَلَّكَ تَأتي بقبسٍ مِنْ ذِكْرِ تَرِكاتِ هُدَاكَ، وعَمَلِكَ الصَالِحِ، أوْ لَا ذِكْرَ لَكَ قَبْلَ، وَبَعْدَ المَمَاتْ!.
ألَا أيُّها الجَسَدُ المُسَجَّى!..
مَنْ مَاتَ مِنْ قَبْلِكَ، فَقَدْ مَاتْ!..
أمَّا أَنْتَ!..
فَسَوْفَ تَمُوْتْ بَعْدَ مَوْتِكَ مَوْتاً، إيْهٍ تَرْضَاهُ مَوْتاً، وَتَحْيَاهُ مَوْتاً، وَهُوَ حَتْماً آتٍ آتٍ آتْ!.
ابو الورد الفقيه
رفعت للتصميم












