التَّقوى

 

ليستِ التّقوى سيفًا يعودُ إلى غمدِهِ في مأوى العاجزين،

التَّقوى هي درعُ الفتى يصونُ به النَّفسَ من شرِّ الفاسدين.

ليستِ التَّقوى أنْ تغادرَ مواطنَ الفِتنةِ بعدما تغادرُكَ القدرةُ عليها، ولا أن تعتزلَ الفنَّ والزينةَ ومظاهرَ الجمالِ بعدما يخفُتُ فيكَ بريقُ الشَّبابِ، وتضعفُ في الجسدِ تلكَ الطَّاقةُ الَّتي كانتْ قادرةً على الإغواءِ والانجذابِ والتَّأثيرِ.

فثمَّةَ فرقٌ كبيرٌ بينَ أنْ تتركَ المعصيةَ لأنَّكَ لا تريدُها، وأنْ تتركَها لأنَّكَ لم تعدْ قادرًا عليها.

إنَّ الاعتزالَ بعد انطفاءِ القدرةِ ليسَ كالجهادِ في ذروةِ القوَّةِ، والابتعادَ عن مواطنِ الغوايةِ بعد انحسارِ أسبابِها ليسَ كالعفافِ وأنتَ في أوجِ الشَّبابِ؛ حينَ تُتاحُ لكَ الفتنةُ فتغلقُ دونَها بابَ نفسِكَ، وتستطيعُ الخطيئةَ فتقولُ: لا…

التَّقوى لا تُقاسُ بما تركتَه حينَ عجزتَ عنه، بل بما تركتَه حينَ كانَ في متناولِكَ.

هناكَ يظهرُ المجدُ الحقيقيُّ للتَّقوى: أنْ تملكَ القدرةَ على الظُّلمِ ثمَّ تعدلَ، وعلى الانتقامِ ثمَّ تعفوَ، وأنْ تُتاحَ لكَ الخيانةُ ثمَّ تؤثِرَ الأمانةَ، فتنتصرَ على نزواتِكَ ولا تجعلُ قدرتَكَ عليها حُجَّةً لإرضائِها.

أمَّا أنْ ينحسرَ عن الإنسانِ ما كانَ يستطيعُه من غوايةٍ أو أذًى، ثمَّ ينسحبَ منها تحتَ اسمِ الزُّهدِ، فليسَ كلُّ انصرافٍ عنِ الخطيئةِ ورعًا، فقد يكونُ أحيانًا انصرافَ العاجزِ عمَّا لم يعدْ يملكُ إليه سبيلًا.

فالعودةُ إلى اللهِ جميلةٌ في كلِّ وقتٍ، والتَّوبةُ بابٌ لا ينبغي أنْ يُغلقَ في وجهِ أحدٍ، لكنَّ الأجملَ أنْ نعيشَ العمرَ كلَّه في ورعٍ وتقوى، أنْ يعرفَ الإنسانُ ربَّه في قوَّتِهِ قبلَ ضعفِهِ، وفي شبابِهِ قبلَ شيخوختِهِ، وفي قدرتِهِ قبلَ عجزِهِ.

فالطَّاعةُ في زمنِ القدرةِ أصدقُ من الطَّاعةِ في زمنِ الضَّرورةِ، والعفافُ حينَ تكونُ الفتنةُ ممكنةً أبلغُ من العفافِ حينَ تغدو الفتنةُ مستحيلةً.

ومن هنا يظهرُ الفرقُ بينَ الخوفِ ومخافةِ اللهِ:

الخوفُ أنْ تخشى العقوبةَ، ومخافةُ اللهِ أنْ تخشى فُقدانَ استقامتِكَ.

الخوفُ قد يردعُكَ عن الشَّرِّ، أمَّا المخافةُ فترتقي بكَ حتَّى تكرهَ أنْ تكونَ من أهلِهِ.

فهل تركتَ الشَّهوةَ، أم هي تركتكَ؟!

عايدة قزحيّا

“من مقالاتي”

رفعت للتصميم