
الإنسان بين وهم الحضارة وعودة الجاهلية
بقلم ابتهال عبدالوهاب
كلما تقدم الزمن، توهمنا أننا نبتعد بالضرورة عن الجاهلية، وكأن عقارب الساعة تحمل معها وعدا تلقائيا بأن يصبح الإنسان أكثر عقلا، وأكثر حرية، وأكثر إنسانية. لكن التاريخ لا يمنحنا هذا الوعد. فالزمن يتقدم، أما الإنسان فقد يتقدم معه أو يتخلف عنه
الجاهلية ليست زمنا انتهى، حتى نطمئن إلى أننا خرجنا منه، ولا حقبة تاريخية يمكن أن نضعها خلف ظهورنا ثم نمضي مطمئنين إلى المستقبل. الجاهلية أعمق من ذلك.. إنها مفهوم، وحالة ذهنية، وطريقة في النظر إلى الإنسان والعالم. ولهذا قد تتغير الأزمنة، وتتبدل المدن، وتتقدم العلوم، بينما تظل الجاهلية جالسة في مكانها، تتخفى كل مرة في ثوب جديد.
ولعل أبلغ ما يختصر هذه المفارقة ذلك البيت من إبداع الشاعر نزار قباني :
«لبسنا ثوب الحضارة والروح جاهلية»
فما أكثر ما يتقدم الإنسان في مظهره، بينما يتراجع في جوهره
قد يحمل أحدث هاتف، ويستخدم أكثر التقنيات تطورا، ويسكن مدينة ذكية، ثم يظل عقله أسير التعصب، والخرافة، والوصاية، وكراهية المختلف. وقد يصل العلم إلى أقصى تخوم الكون، بينما يعجز الإنسان عن عبور المسافة القصيرة بينه وبين إنسان آخر يختلف عنه في الدين أو الفكر أو الجنس أو الموقف.
وهنا تكمن المفارقة الكبرى: ليست الحضارة ما نمتلكه، وإنما ما نصبحه.
فالجاهلية لا تعني انعدام المعرفة، وإنما تعني أن المعرفة لم تتحول إلى وعي، وأن العقل لم يتحول إلى حرية، وأن الإنسان لم يتعلم بعد أن يرى في الآخر إنسانا قبل أن يراه مختلفا.
ولهذا لا يمكن أن نضع الجاهلية في الماضي ونغلق عليها أبواب التاريخ. قد يأتي زمن في المستقبل تجتمع فيه كل عصور الجاهلية تحت سقف واحد؛ تكنولوجيا فائقة، ومعلومات بلا حدود، ومدن أكثر ذكاء، وفي المقابل عقول أكثر انغلاقا، وتعصب أكثر شراسة، وكراهية أكثر قدرة على الانتشار.
قد يصبح المستقبل أكثر حداثة في أدواته وأكثر جاهلية في وعيه.
وفي رأيي ان أخطر الجاهليات ليست تلك التي تعلن عن نفسها، وإنما تلك التي ترتدي ثياب الحضارة، وتتحدث بلغة العلم، وتستخدم مفردات الأخلاق، بينما تمارس الإقصاء والقمع واحتقار المختلف
فالجاهلية حين تكون فقيرة في أدواتها يسهل اكتشافها، أما حين تتسلح بالتكنولوجيا والمعرفة الشكلية فإنها تصبح أكثر خطرا، لأنها تستطيع أن تمنح جهلها قوة لم تكن تملكها من قبل.
ومن هنا تأتي قيمة الأخلاق العقلية؛ فهي ليست ابنة عصر محدد، ولا ملكا لدين أو ثقافة أو حضارة بعينها. العدل لا يشيخ، والحرية لا تنتهي صلاحيتها، والكرامة الإنسانية لا تتغير بتغير التقويم، واحترام الإنسان واحب وفرض في كل زمان ومكان
الأخلاق العقلية عابرة للزمان لأنها تنطلق من سؤال بسيط وعميق: ماذا لو كنت أنا الآخر؟
عندما يستطيع الإنسان أن يرى نفسه في موضع المختلف، تبدأ الأخلاق. وعندما يعجز عن ذلك، تبدأ الجاهلية، مهما كان عدد الشهادات المعلقة على الجدران، ومهما بلغت مظاهر التحضر
لذلك فإن معركة التنوير الحقيقية ليست مع الماضي، بل مع كل ما في حاضرنا من قابلية للعودة إلى الماضي. وليست المشكلة أن نغير شكل العالم من حولنا، وإنما أن نغير الطريقة التي ننظر بها إليه.
فالإنسان قد يخرج من الكهف، ويبني ناطحات السحاب، ويصل إلى الفضاء، ثم يحمل الكهف معه داخل رأسه
وحينها لا يكون قد غادر الجاهلية، بل يكون قد منحها فقط أدوات أكثر حداثة
لهذا ستظل الجاهلية ممكنة في كل عصر، وسيظل التنوير مشروعا مفتوحا لا يكتمل. وبينهما يقف الإنسان، حرا في أن يختار: أن يجعل من عقله نافذة على العالم، أو أن يحوله إلى جدار يحجب عنه العالم
والخروج من هذا المأزق لا يكون بتغيير الثياب، ولا باستيراد مظاهر الحداثة، ولا بتكديس الشهادات فوق جدران تعيش خلفها عقول مغلقة. الخروج يبدأ من اللحظة التي نمتلك فيها شجاعة مراجعة ما ورثناه، ونضع كل فكرة أمام العقل، لا أمام قداسة الموروث، وأن ندرك أن الإنسان أكبر من الجماعة، وأن كرامته تسبق كل تصنيف، وأن الاختلاف ليس خطرا ينبغي إسكاته، بل شرطا ضروريا لكي يتسع وعينا
نخرج من الجاهلية حين يصبح السؤال فضيلة لا جريمة، والشك طريقا إلى المعرفة لا تهمة، والنقد ممارسة للعقل ، وحين نتعلم أن الأخلاق لا تحتاج إلى سوط يراقبها من الخارج، لأن الضمير الذي يفكر أرقى من الخوف الذي يطيع
نخرج من الجاهلية بتجفيف منابعها: الجهل، والخوف، والتعصب، واحتقار المختلف، وتحويل الموروث إلى سلطة فوق السؤال
وحينها فقط لن نكون قد لبسنا ثوب الحضارة فوق روح جاهلية، بل سنكون قد صنعنا إنسانا يستحق الحضارة
رفعت للتصميم













