
الذاكرة المكسورة.. وطن لا ينسى
الوطن لا يموت بالقصف فقط. يموت حين ننسى من نحن. حين تصبح الحكايات القديمة غباراً على رف، وحين يضحك الصغار على أسماء المدن ولا يعرفون لماذا سميت كذلك، وحين نستبدل أغاني الجدود بضجيج لا معنى له.
الذاكرة هي الهوية. هي الخيط الرفيع الذي يربطنا بالأمس، ويمدنا بالقوة لنواجه الغد. إذا انقطع هذا الخيط، صرنا غرباء في أرضنا. نسكن البيوت لكن لا نسكن التاريخ. نمشي في الشوارع ولا نعرف من مشى فيها قبلنا.
كسرت الذاكرة حين علمنا أبناءنا أن الماضي عار، وأن التراث تخلف، وأن الجد الذي حكى لنا عن النهر والشجرة والغابة رجل “قديم”. فصدقنا، ورمينا القديم، ولبسنا الجديد، فإذا بالجديد بلا روح. صار عندنا بيوت زجاج لكن بلا دفء، وصار عندنا شوارع واسعة لكن بلا ملامح.
الذاكرة المكسورة لا تصرخ. هي فقط تتلاشى بهدوء. اسم شهيد يتحول إلى رقم. قصة بطولة تصبح نكتة. طبق أمك يصبح “أكل تقليدي” في قائمة مطعم غالي. واللغة نفسها.. لغتنا التي كانت بحراً من الاستعارات والحكمة، صارت كلمات مستوردة نرميها في الحديث لنبدو “متحضرين”.
لكن الأوطان عنيدة. لا تنسى بسهولة. حتى لو كسرناها، تظل تنبض في مكان ما. تنبض في ريحة المطر على تراب، في صوت أذان قديم، في يد جدة وهي تعجن، في أغنية سمعتها بالصدفة فبكيت دون أن تعرف السبب. الوطن لا ينسى أبناءه حتى لو نسوه.
ترميم الذاكرة ليس رفاهية. هو ضرورة للبقاء. قبل أن نطالب بترميم الجسور والشوارع، يجب أن نرمم ما في رؤوسنا. أن نروي لأولادنا من أين جئنا. أن نكتب التاريخ بأيدينا لا نتركه لغيرنا يكتبه. أن نحتفي بالشاعر كما نحتفي باللاعب، وبالمخترع كما نحتفي بالمغني.
الكرامة كانت خطاً أحمر. والصامتون كانوا السند. والصدق كان العملة الرابحة. واليوم نقول: الذاكرة هي الجذر. بلا جذر، أي شجرة ستسقط مع أول ريح.
فلنعد إلى ذاكرتنا. لا لنجتر الحزن، ولكن لنفهم لماذا صمدنا. لنعرف أننا لسنا بدأنا من الصفر. كان قبلنا رجال ونساء دفعوا الثمن حتى نكون. أقل ما نفعله أن لا نخذلهم بالنسيان.
الوطن الذي لا ينسى، هو الوطن الذي لا يموت.
بقلم طارق عبدالرحمن محمد ود الفكي
رفعت للتصميم













