في الذّكرى الرّابعة لرحيلك

في الذّكرى الرّابعة لرحيلك… ما زلتَ تسكن جهة الضّوء..

أربعُ سنوات يا أبي..

ولا أعرف حتّى الآن إن كنتَ أنتَ الّذي غبتَ،

أم أنّ العالم هو الّذي ابتعد عنك..

في مثل هذا اليوم أغمضت عينيك عن هذه الأرض، لكنّ الغريب أنّ كلَّ ما كتبته ظلَّ مفتوح العينين..

أقف اليوم أمام غيابك، فلا أشعر أنّني أرثيك..

أشعر أنّك أنتَ الّذي تطلّ عليَّ من مكان لا تصل إليه الحرب، وتقول لي:

يا ابنتي… لا تبكي أباك…

ابكي الأرض الّتي ما زالت تلد أبناءها ثمّ تسلّمهم إلى النّار..

ابكي الجنوب…

فأنا أعرف ترابه.. وضعتُ أذني عليه طويلًا، وسمعت تحت زيتونه خطى الّذين لم يولدوا بعد..

وسمعتُ فوقه خطى الّذين مضوا ولم يغادروا..

كأنّني أسمعك اللّيلة يا أبي..

فالجنوب الّذي أحببتَه، وكتبتَ من ترابه وحجارته وأشجاره، ما زال واقفًا بين النّار والحياة، ما زالت قراه تعرف صوت الغارات،

وما زالت البيوت تستيقظ على الفقد..وما زالت الأمّهات يرفعن أيديهن إلى السّماء ويسألن الله السّؤال القديم..

لماذا يسبق الموت أعمار أولادنا؟

ثمّ أسمعك تناديني..

أتذكرين زينب؟

كيف لا أتذكّرها يا أبي؟

أنت الّذي كتبتَ منذ عقود كي تنام زينب ولم تكن تعرف أنّ الاسم سيعود يومًا إلى قلب العائلة..لا قصيدةً هذه المرّة… بل فاجعة..

زينب، ابنة خالتي وزوجها، وأولادها…

كأنّ القصيدة خرجت من دفترك بعد كلّ هذه السّنين، ومشت وحدها في دروب الجنوب،حتّى وقفت أمام ركام بيتهم

وكأنّ الكلمات الّتي كتبتَها يومًا لزينب أخرى كانت تخبّئ في جوفها حزنًا مؤجّلًا، وتنتظر زمنًا آخر كي نفهمها من جديد.

يا أبي..

أيُّ شعر هذا الّذي يعبر الزّمن ولا يشيخ؟

وأيُّ قلب كان فيك حتّى سمعتَ وجعًا قبل أن يأتي؟

لكنّني لا أتخيّلك اليوم ترثي زينب كما يرثي الأحياء موتاهم..

أتخيّلك تستقبلها..أراك في جهةٍ من الضّوء، تمدّ يدك إليها وتقول:

تعالي يا زينب…

نامي هذه المرّة بلا خوف لا طائرات هنا، ولا جدران تسقط، ولا طفل يوقظه انفجار، ولا أمّ تبحث عن أولادها تحت الحجارة..

وتجمع زوجها وأولادها حولك..

وتمضي بهم إلى مكانٍ لا تبلغ إليه الحرب هناك، ربما تعود القصيدة إلى معناها الأوّل..

أغنيةً كي تنام زينب.

لكنّ الأشجار يا أبي لم ترحل..

أشجار الجنوب ما زالت هناك.

قد تُحرق أغصانها، قد تُجرح جذوعها، قد ينام الشّهداء تحت ظلالها، لكنّها تعرف سرّ هذه الأرض..

أنّ الموت يعبرها، ولا يمتلكها..

والجنوب لم يمت..

كلّما ظنّوا أنّ النّار قالت كلمتها الأخيرة، نبتت من التّراب حياة, ورُمّم بيت، وعاد أهل، وارتفعت شجرة، وولدت قصيدة..

أربع سنوات على رحيلك يا أبي، وأفهم الآن أكثر من أيّ وقت مضى أنّ الشّعراء لا يموتون بالطّريقة الّتي نموت بها, هم فقط ينتقلون من أجسادهم إلى كلماتهم.. وأنت انتقلتَ كاملًا..

إلى زيتونة في الجنوب..

إلى تراب عربصاليم..

إلى نافذة مفتوحة على جبل عامل..

إلى أمّ تحتضن صورة غائب..

إلى شهيد ترك اسمه أمانة في الأرض..

إلى زينب الّتي نامت أخيرًا خارج مدى الحرب..

أمّا أنا،

فكلّما اشتقت إليك، أفتح كتابًا، فلا أقرأك…أسمعك..

أسمعك تقول إنّ الّذين نحبّهم لا يغيبون تمامًا، وإنّ الجسد ليس إلّا بيتًا مؤقّتًا للرّوح، وإنّ المحبّة إذا بلغت جوهرها لا يعود الموت قادرًا على قطعها..

لذلك، في الذّكرى الرّابعة، لا أقول إنّك بعيد.

أقول إنّك تبدّلتَ فقط..من أبٍ كنت ألمس يده، إلى حضورٍ ألمسه في داخلي..

من صوتٍ كنتُ أسمعه في الغرفة، إلى صوتٍ يأتيني كلّما ضاقت الدّنيا, من جسدٍ يسير في طرقات الجنوب، إلى روح أراها في كلّ طريقٍ عرفتَها وأحببتَها..

نم مطمئنًا يا أبي..

ما زال الجنوب الّذي أحببتَه يقاوم موته بالحياة..وما زالت زينب تمشي داخل قصيدتك، وما زالت كلماتك تحرس الّذين لم تستطع الأرض أن تحرسهم..

ولعلّ الموت ليس نقيض الحياة كما نظنّ، لعلّه باب صغير بين شكلين من الحضور..أنت في أحدهما..

ونحن في الآخر…وبيننا قصيدة…. رباب شمس الدين

رفعت للتصميم