الوردُ لا يُشبهُ البارود

(الوردُ لا يُشبهُ البارود)

بقلم/فاديه عريج 

 

أيُّتها الحروبُ…

يا عابرةً في دماءِ الأبرياء،

كم غرستِ من حدائقَ الفقدِ

في صدور الأمّهات؟ 

حدائقٌ لا تعرف الذّبول! 

يا أيُّها الغريبُ في جسدِ البلاد،

كيف اتّسعتْ يدُكَ لكلِّ هذا الغياب؟

وكيف ضاقتِ السّماءُ

عن دعاءِ طفلٍ

تحتَ الأنقاضِ؟ 

أيُّها الموتُ العابرُ في هيئةِ راية

تُرفرفُ فوقَ قلبٍ لم يخترْ لونكَ،

تمهّل…

ففي هذا التُّـرابِ ذاكرةٌ تُقاومُ

الظّلمَ والظلامَ والحروب!! 

على أطلالِ مدنٍ كانت تُغنّي،

يقفُ الصّمتُ كشيخٍ مُسنٍّ

يعدُّ أسماءَ الرّاحلين 

و يُكملُ الحكاية:

هنا…

كانت ضحكاتُ الأطفالِ تسبقُ الصّباح،

وهنا.. كانت النّـوافذُ تُشرِّعُ قلبها للشّمس،

فصارت عيوناً مُطفأة،

تُحدِّقُ في الفراغِ بلا رجاء! 

تحتَ الرّكامِ

تنامُ الأحلامُ 

ودفاترٌ مدرسيّةٌ مُلطَّخةٌ 

بالغبار والدّماء

ودُمىً تنتظرُ يداً لن تعود

وفي الطُّـرقاتِ

يمشي الخوفُ حافياً

يحملُ وجوهَ النّـاجين

كأنّـها مرايا مكسورة،

تعكسُ ألفَ موتٍ وألف غصةٍ

وألف وجع

ظلُّ أمٍّ يركضُ خلفَ ابنها في الغياب،

وقمحٌ يتذكّرُ شكلَ السّنابلِ في كفِّ الفلاح،

ونجمةٌ سقطتْ من جيبِ الليلِ

لتدلَّ التّائهين على الدّروب!! 

أيّتُها الحروب:

هنا.. كان الوقتُ يُقاسُ بخبزِ الصّباح

يقاسُ بقُبلةٍ تُعلِّقها الأمّهاتُ

على أعناقِ أبنائهنَّ كتعويذة،

وحين أتيتِ…

صار الوقتُ مقبرةً مفتوحة،

تُحصي الّذين مرّوا

دون أن يصلوا

تتنفّسُ الحكاياتُ ببطء،

تُرتِّبُ أسماءَها كي لا تضيع

وتكتبُ وصيّتَها على الصّخور:

“كُنّا هنا…

وكان لنا قلبٌ يشبهُ الضّوء”

وعلى حافّةِ الدّهشة

تنحني الحياةُ لتلتقطَ ما تبقّى

تغزلُ من الدّموعِ نهاراً جديداً

وتقولُ للأرضِ:

“علِّميهم

أنَّ الوردَ لا يُشبهُ البارود،

وأنَّ الإنسانَ

أكبرُ من أيّ حربٍ… وأبقى” 

وأنّ اللّيلَ لن يدوم

ومن بين الحجارة 

ستولدُ آلاف الزّهور