الانتربولوجيا والنقد

بقلم ا.د حمام محمد.جامعة الجلفة……الجزائر

لماذا يقتل الروائيون أبطالهم؟ هل لانهاء القص ام للعبث بالكتابة..؟.

تُعَدُّ العقدةُ في الرواية الطريقَ المؤدّي إلى الانفراج، أو إلى إماطةِ اللثام عن مرضٍ نفسيٍّ أو اجتماعيٍّ يعايشه الكاتب، باحثًا عن تفاعلاته داخل زمنه المعيش، وسط التناقضات المختلفة التي يحياها الفرد بين أقرانه. فالروائي لا يتصوّر أنَّ جميع الآراء يمكن أن تتشكّل على هيئةٍ واحدة، أو أن تتّفق كلّها على أسلوبٍ موحَّدٍ من الرضا أو الرفض، خاصّةً في النهايات المأساوية التي حفلت بها الروايات الكبرى. وهذه النهايات، وإن تعدّدت أساليبها، فإنّها في الغالب لا تخرج عن قواعد سرديّة ونقديّة قديمة، نظّرتها المدارس الأدبية الفرنسية والأنجلوسكسونية، ورافقتها دراسات الأدب المقارن منذ عهد غاستون باشلار وغيره من المنظّرين الذين حاولوا فهم علاقة الإنسان بالنصّ والخيال والمصير.

لقد كُتبت روايات كثيرة جدًّا، إلى درجةٍ أصبح من العسير حصرها أو ضبط أهدافها. فبعضها لم يعد سوى إرواءٍ خطابيٍّ وكلامٍ يُقرأ دون وضوحٍ في غايته: أهو للمتعة؟ أم للدراسة؟ أم لمجرّد التفاعل اللغوي؟ ومع غياب العناية بالمحسّنات الجمالية التي تدخل في إطار جماليات التلقّي، صرنا نساير أعمالًا تُوصَف بالجيدة وفق مقاييس جمالية متعدّدة ومتناقضة، تختلف من ناقد إلى آخر، ومن قارئ إلى قارئ.

وهنا يبرز سؤال فلسفي قديم متجدّد:هل يمكن أن نتّفق جميعًا على معيارٍ جماليٍّ واحدٍ نرتّب به الأعمال الروائية؟

     إنّ هذا السؤال سبق عصر التقنية النانوية والرواية الآلية، وسيظلّ قائمًا ما دام الذوق الإنساني متعدّدًا ومتغيّرًا. غير أنّ ما يشدّني أكثر في الرواية هو عقدة البطل، لا من حيث تعريفه النظري الذي استهلكته آلاف الدراسات النقدية، بل من زاويةٍ أكثر خصوصية: لماذا يموت الأبطال في الروايات؟

كثيرٌ من الروائيين يقتلون أبطالهم فقط من أجل صناعة الدراما، أو لإثارة البكاء الميلودرامي، لا من أجل خدمة المنطق الداخلي للعمل الروائي. فموت البطل ينبغي أن يكون نتيجةً طبيعيةً لتطوّر الأحداث، لا قرارًا جاهزًا يتّخذه الكاتب منذ البداية. لأنّ البطل حين يموت دون مبرّرٍ سرديٍّ مقنع، نشعر بأنّ الكاتب هو الذي مات داخله، لا الشخصية وحدها.وفي روايات كثيرة، نقرأ عن بطلٍ متحوّل يحمل الأمراض النفسية والاجتماعية نفسها منذ الصفحات الأولى، فنكتشف أنّ الكاتب قد قرّر موته مسبقًا، وكأنّ الرواية ليست سوى تصوّرٍ للخاتمة قبل بناء الحكاية. وهنا تتحوّل الشخصيات إلى مجرّد أدوات تُوزَّع عليها الأدوار داخل فضاءات جغرافية وإقليمية متباعدة، بأسماءٍ لا تنسجم مع أدوارها ولا مع واقعها الرمزي والاجتماعي.

إنّ اختيار الأسماء في الرواية ليس أمرًا اعتباطيًّا؛ فالاسم جزءٌ من الصدق الفني والموضوعية. وحين يعجز الكاتب عن منح شخصياته أسماءً تنتمي إلى بيئتها النفسية والاجتماعية، فإنّه يُعجّل – من حيث لا يشعر – بموت بطله، لأنّ الشخصية تفقد قدرتها على الإقناع.ولعلّنا نجد شواهد كثيرة على ذلك في الرواية العالمية؛والعربية كانت ماسي الموات مربكة مقراءتنا لابطال اذكياء يقتلهم مؤلفوهم بوسائل بسيطة ، او يحدثون نهايات مقتبسة فيلمية لشخصيات تماشى معها القارئ بصدق ليجد نفسه فضائيا في نهاية ، ولا اريد ا اضرب مثالا فالشواهد كثيرة .

 

إنّ البطل يتغيّر، ومغامراته تتبدّل بحسب ثقافة الكاتب ورؤيته. غير أنّ بعض الروائيين يفرطون في التلاعب بأبطالهم، ظنًّا منهم أنّ البطل يمكن أن يجسّد في آنٍ واحدٍ المبدأ والقضية والوطن والخلود. وهنا تتحوّل الرواية إلى فضاءٍ مكتظٍّ بالشعارات، لا بالشخصيات الحيّة.كما أنّ بعض الكتّاب يُقحمون الغرائبية إقحامًا قسريًّا في مجتمعات القصّ، فيمنحون شخصياتهم رموزًا وأسماءً وأفعالًا لا تنبع من منطق الحكاية، بل من رغبةٍ في الإدهاش فقط. وهذه العشوائية قد تُنتج مستقبلاً رمزيّاتٍ غير جادّة، توقع القارئ والناقد معًا في أخطاءٍ تحليلية واجتماعية خطيرة.

ومن هنا فإنّ موت البطل الحقيقي ليس موت الشخصية داخل الرواية، بل موت المعنى داخل الكتابة. فحين يفقد الكاتبُ قدرته على بناء إنسانٍ حيٍّ يتحرّك بمنطقٍ نفسيٍّ واجتماعيٍّ مقنع، تصبح الرواية مجرّد لعبة لغوية، أو محاولةً لإحياء كاتبٍ مريضٍ نفسيًّا واجتماعيًّا، يركض خلف التميّز وسط كثرةٍ هائلةٍ من النصوص المكتوبة.

إنّ الرواية العظيمة لا تقتل بطلها عبثًا، بل تجعله يموت لأنّه استنفد أسئلته الوجودية، أو لأنّ موته صار ضرورةً فنيةً وفكريةً داخل العالم الروائي. أمّا القتل المجاني للأبطال، فليس سوى ضعفٍ في بناء الحكاية، وعجزٍ عن إقناع القارئ بأنّ الحياة داخل الرواية تشبه الحياة خارجها.