غنى ” نخلةٌ لا تموت

بقلم : زياد أبوصالح / فلسطين 

 

     في أحد أحياء المدينة الهادئة، عاش الشيخ أبو محمد مع أسرته حياة يغمرها الدفء والمودة. رزقه الله أبناءً وبناتٍ، لكن الصغيرة ” غنى ” كانت شيئاً مختلفاً في البيت؛ كانت ضحكتها تسبق خطواتها، وحضورها يملأ المكان حياةً وبهجةً. كل من في البيت كان يدللها، حتى جدها كان يقول مبتسماً: “هذه الصغيرة خُلقت لتزرع الفرح في القلوب.”

     كان أبو محمد رجلاً بسيطاً يعمل في مؤسسة خاصة، يخرج مع شروق الشمس بحثاً عن رزقٍ كريم، بينما كانت زوجته موظفةً في القطاع الحكومي، تجمع بين عملها ورعاية أسرتها بمحبة وصبر. ورغم تعب الحياة ومسؤولياتها، ظل البيت عامراً بالسكينة.

     في صباح يومٍ بدا عادياً ككل الأيام، استيقظت الأم مبكراً، وأعدّت الفطور لأبنائها. تسللت رائحة الزعتر الساخن والشاي إلى الغرف، وبدأت توقظ أبناءها واحداً تلو الآخر كي يلحقوا بمدارسهم. أما غنى ، فكانت أصغرهم وأكثرهم دلالاً. جلست على طرف سريرها تفرك عينيها الصغيرتين، قبل أن ترتدي ملابس الروضة بفرح طفولي بريء.

     وضعت لها والدتها قطعة نقود صغيرة في يدها وقالت مبتسمة: اشتري ما تحبين يا غنى . ثم ناولتها ساندويشاً صغيراً، ومشطت شعرها بعناية، وقبّلت جبينها، وطلبت منها النزول إلى بيت جدها القريب حتى تنتظر حافلة الروضة مع بقية الأطفال. دقت خطوات غنى الصغيرة على الدرج كأنها نغمات عذبة ، لا تدري أنها تهبط نحو موعدها مع القدر .

     في الروضة، ضحكت غنى ضحكةَ طفلةٍ لا تعرف أن للفرح ثمنًا. لعبت كالفراشة، ونشدت مع رفاقها بأناشيدَ دينيةٍ ووطنية، تملأ فضاءَ المكان براءةً لا يشوبها خوف. انتهى الدوام، وأوصلها سائقُ الحافلة إلى باب منزل والدها، تمامًا كما يفعل كل يوم، وكأن الأيام تتشابه في سذاجتها.

     تناولت غداءها بين إخوتها، ثم انسلّت إلى الحارة لتلعب مع أبناء أقاربها، تضحك وتجري، تملأ الزقاقَ صخبًا طفوليًا لا يزعج أحدًا. وحين تعبت، عادت إلى بيتها للراحة، غير أن القدر كان يتربص عند العتبة.

    فجأة، انشقَّ هديرُ سيارةٍ مسرعةٍ كالموت، يقودها سائقٌ كأنه هرباً من شبح ، اندفع من لا شيء ، ودَهس الطفلة في لحظة لم تمهلها حتى لتصرخ . تجمهر الأهل والجيران، علت صرخاتٌ مزقت سماءَ الحي، وحملوا غنى إلى سيارة الإسعاف لكن روحها كانت قد سبقتهم إلى بارئها ، غادرت الجسد قبل أن تغادر الحارة. 

     سلَّم السائقُ نفسَه إلى شرطة المدينة، وأُحيل إلى الإجراءات القانونية. غير أن ما حدث بعد ذلك كان فريدًا كأخلاق أصحابه؛ فوالد غنى وأهله، وقد طُبعوا على أدبٍ وحلم، لم يثأروا ولم يهددوا، بل سارعوا إلى مركز الشرطة متوسلين إطلاقَ سراح السائق، مرددين في ثبات العارفين: “ما حدث قضاءٌ وقدر”.

     جاء رجال الإصلاح إلى بيت الجد، يتبعون العادات المتبعة في مثل هذه الحوادث. وفي يوم “العطوة” ويوم “الطيب”، وقف الشيخ أبو محمد، والد غنى أمام عشائر المدينة والبلدات المجاورة. في مشهدٍ تهتز له القلوب، رفع رأسه المكلوم وقال بصوتٍ هادئ كالرماد تحت الجمر: “عوضي من الله”. تنازل عن كل حقوقه، لا لشيء إلا مرضاة لله، في خاتمة أظهرت معدن الرجال.

خرج الناس من المجلس وهم يمسحون دموعهم ، عرفوا في تلك اللحظة أنهم رأوا الإيمان جسداً يمشي على الأرض. 

     كظم الأب حزنه حتى كاد يقتله، أما الأم ، فقد ذابت كالشمعة، وصار الفستان أو القميص أو حتى الحذاء الصغير الذي كان لغنى يُغيبها عن وعيها، وكأن الحادث يقع الآن، في كل لحظة، بلا توقف.

     بعد فترة، أُقيم معرض للمنتوجات الزراعية قرب منزلهم، وتوافد آلاف الزوار. وهناك، خرجت “مرح”، أخت غنى الكبيرة، تسأل الناس ببراءة تقشعر لها الأبدان : “هل رأيتم غنى ؟ غنى لم تمت… غنى لم تمت”. كانت كلماتها كسكين حادة في قلوب الغرباء، فأجهش الزوار بالبكاء حين عرفوا قصة الصغيرة التي لم تودعهم.

     ووضع والدها صورتها على شاشة هاتفه، يراها كل يوم، فيدمع بصمت، ويدعو لها برحمات تليق بطهرها كأنها مسافرة وليست ميتة . وقرر الأبوان أخيراً أن يزرعا غنى في أرض لا تموت ، تبرعا عن روحها لبناء مدارس في المدينة ، صدقة جارية كأنها شجرة نخلة تغرس جذورها في الحجر ، وتمد ظلها على عقود قادمة .