
في فمي ماء…
في فمي ماء…
كلماتٌ لم تُقَلْ، وأفكارٌ لم تُطرَحْ، وآراءٌ آثرتُ أنْ تبقى حبيسةَ الصَّمْتِ.
النّاسُ من حولي محلِّلونَ، وكلُّ من عرفَ القراءةَ والكتابةَ صارَ شاعرًا وأديبًا، وكلُّ من حفظَ الآياتِ صارَ مرشدًا وواعظًا، وكلُّ من حفظَ بعضَ الجُمَلِ البليغةِ أحبَّ أن يُدرجَها في خطابٍ سياسيٍّ.
كلُّ إنسانٍ ينطلقُ من بيئتِهِ ومنظورِهِ، يكتبُ منشورًا أو بيانًا، يقيسُ الواقعَ على مقياسِهِ، يُفسِّرُ ويَحكُمُ، ثمَّ يعيدُ تشكيلَ الحقيقةِ كما يراها، دونَ أنْ يفقهَ معناها، بعيدًا عنِ الموضوعيّةِ، ودونَ أن يتوقّفَ لحظةً ليسألَ نفسَهُ: ماذا لو كانَ ما لا أدركُهُ أكبرَ ممّا أظنُّ؟
فالمشكلةُ ليستْ أنْ يتباينَ النّاسُ، فالاختلافُ طبيعةُ البشرِ، وإنّما أنْ يتحوّلَ الرأيُ إلى حقيقةٍ، والتّأويلُ إلى يقينٍ، والحُكمُ إلى مرجِعيّةٍ لا تَحتملُ المراجعةَ.
هنا صمتُنا، وهناكَ أصواتُهمْ.
كلُّ صوتٍ يتقاطعُ مع آخرَ، وكلُّ رأيٍ يصطدمُ بغيرِهِ، وكلُّ موقفٍ يعلو أو يخفتُ بحسبِ خوفٍ، أو طموحٍ، أو مصلحةٍ، أو ما ورثَهُ صاحبُهُ من كلماتٍ وأفكارٍ.
نتحدّثُ ونصمتُ، نراقبُ ونحسبُ كلَّ كلمةٍ، وكلَّ حركةٍ، وكلَّ نظرةٍ، وكلَّ انطباعٍ…
فكلُّ شيءٍ محتملٌ، وكلُّ شيءٍ قابلٌ للتأويلِ، وما يخرجُ من أفواهِنا قد يعودُ إلينا بعدَ أن تعيدَ أذهانُ الآخرينَ صياغتَهُ على غيرِ ما أرَدنا.
ولعلَّ أكثرَ ما يُرهقُ الصّامتَ أنْ يعرفَ أنَّ كلمتَهُ متى خرجتْ لن تبقى بالضّرورةِ كما أرادَها، إذ قد تُقتطعُ من سياقِها، أو تُحمَّلُ ما لم يقصدْهُ، أو تُستعملُ شاهدًا عليهِ بدلَ أن تكونَ تعبيرًا عنهُ.
لهذا نصمتُ.
لكنَّ الصّمتَ ليسَ دائمًا نجاةً: بعضُهُ من ذهبٍ، وبعضُهُ يثيرُ العتبَ، وبعضُهُ يصنعُ الشغبَ.
قد يكونُ حمايةً، وقد يكونُ عبئًا، وقد يكونُ حكمةً تقولُ إنَّ الكلامَ ليسَ دائمًا ما يحرِّرُ، وإنَّ الإفصاحَ ليسَ دائمًا ما يضيءُ.
وليسَ الصّمتُ فضيلةً في ذاتِهِ، كما أنَّ الكلامَ ليسَ شجاعةً في ذاتِهِ،
الفضيلةُ أن نعرفَ متى يكونُ الصّمتُ أمانةً، ومتى يصبحُ الكلامُ أمانةً أكبرَ.
فثمّةَ كلماتٍ نؤجّلُها لأنّنا نخشى نتائجَها، وثمّةَ كلماتٍ نكتمُها لأنّنا نعرفُ أن إخراجَها في غيرِ وقتِها قد يُبدّدُ معناها، لكنَّ ثمّةَ كلماتٍ أخرى، إذا طالَ حبسُها، تحوّلتْ من ماءٍ في الفمِ إلى اختناقٍ في الرّوحِ.
وفي النّهايةِ يبقى السّؤالُ قائمًا، مؤرِّقًا:
ماذا لو أخرجتُ الماءَ؟
ما ههل يتحوّلُ إلى نهرٍ عذبٍ لمن يروقُ لهُ الارتواءُ،
أم إلى بحرٍ مالحٍ يُغرقُ سفنَ من يهوى الرّحلاتِ السّندباديّةَ والمغامراتِ الماجلانيّةَ؟
عايدة قزحيّا
من “مقالاتي”
رفعت للتصميم













