
الإســتلاب الفكـري بين الفلسفة وأزمة المنطق الجدلي
لمياء العامرية
للخوض في مضمار الاستلاب الفكري لابدّ ان نعرّج على تعريف مصطلح الإستلاب بمفهومه العام ..
فالاستلاب لغةً : اخذ او سلب ما يملكه الآخر من مظاهر مادية او معنوية ..
والاستلاب بمفهومه الفكري هو السيطرة الفكرية المطلقة على مجموعة الافكار والتوجهات لمجتمع تجعله منقادا ليفكر بعقول غيره مما يجعله قيد اغتراب الانسان فيه عن ذاته وقيمه وهويته ونتاجه الفكري ، حيث يسبطر الفكر الممنهج الخارجي غالبا سواء كان ثقافيا او دينيا او سلوكيا على عقل الفرد والمجتمع الذي يفقد قدرته على التفكير الحرّ المستقل ..
وعموما فانّ الاستلاب الفكري يجد مرتعه الخصب في اوساط المجتمعات المتخلفة والتي تفتقد لثقافة وسلوكيات المنطق الجدلي ومنها المجتمعات العربية نتيجة فقدانها لمشروعها الحضاري والانساني ، وفقدانها تنشئة العقل الجدلي المفكّر لأسباب تعود الى أُطرها الثقافية والاجتماعية والدينية ورؤاها الحياتية ،
إذ تغلب السيطرة والاستلاب الفكري او ما نسميه الانقياد الفكري الاعمى على المجتمعات التي تتسم بالسطحية الفكرية والثقافية والتي تجعلها سهلة الانقياد ويؤول ذلك لسيطرة فكرٍ ما ، او مجموعة افكار على بُناها العقلي ونهجها الفكري ، وهذا ما يعطي الفكر المُسيطر او القوى المحركة القدرة الكافية لتتحول لسلطة مطلقة يصعب التخلص من قيودها او مواجهتها ..
اما الاستلاب فلسفةً : فهو حالة اغتراب الانسان عن ذاته وهويته الفكرية المستقلة ما يجعله يشعر بالدونية نتيجة سيطرة مجموعة من النُظم الفكرية والثقافية الخارجية التي تعجزه عن التفكير الحر المستقل ومحاكاة الاخرين كما تجعله ( فردا او مجتمعا او امّة ) خاضعا لغزو ثقافي وفكري قائما على التلقين ، مفرغا من هويته وخصوصيته الثقافية ، واسيرا لتلك النُظم ..
على سبيل المثال لا الحصر نجد نجاح المشاريع الغربية ( الفكرية ، والثقافية ، والايديولوجية ) القائمة على إلغاء الآخر المتناقض معها وتطويعه وفق مفهومهم وفكرهم الاستلابي ، نتيجة غياب المنطق الجدلي والمحاكاة العقلية وآلية التفكير الحرّ والمستقل ..
وقد يكون الاستلاب الفكري داخليا ، ضمن دائرة المعتقد الديني او السياسي او الثقافي في المجتمعات العربية ، وما لمسناه من توسع المشاريع الاسلامية المتطرفة او ما يعرف بالاسلام السياسي التي وجدت في التسطح الفكري ارضا خصبة لفرض ايديولوجياتها المتطرفة والتي غالبا ما تهيمن على العقول المحدودة الفكر والثقافة والمنطق الجدلي لتقوم بمهمة تطويره وايقاع الناس في براثن افكاره ..
ومن مظاهر الاستلاب الفكري ما تمارسه وسائل الاعلام العالمية ودور النشر من طرح افكار واحداث ومظاهر مدروسة بعناية لتوجيه الرأي العام لاهدافها وغاياتها السياسية والفكرية ..
وكذا ما تمارسه المؤسسات الدينية البعيدة عن الوسطية والاعتدال في ظلّ غياب وانعدام آلية التفكير الحرّ السليم القائم على المعرفة والثقافة وانعدام الجدل العقلي حدّ الجهل وسهولة الانقياد في المجتمعات العربية المغيّبة عن الفكر السليم .
لميـــاءالعامريــة











