
التوقف لمرور الموكب الجنائزي من الاخلاق العظيمة
المقالات الانتربولوجية: ا.د حمام محمد..جامعة الجلفة الجزائر
التوقف لمرور الموكب الجنائزي من الاخلاق العظيمة.. قراءة: أنثروبولوجية
من حالات التكافل الاجتماعي والاحترام المتبادل الكثير من الظواهر التي أصبحنا نشاهدها على الواقع، وهي مثار تفاؤل بالوعي الجمعوي، وللدلالة الإقناعية بمنطق التآخي والتكافل، مادام الجوار محلاً للرفق والترفق بالجار، حتى ولو تعلق الأمر بتخفيف من شدة شواء رائحة الأكل حتى لا ينزعج منها من لا يملك ما يطبخ به جاره، وتلك هي تربية روحية انطلقت من الذات وتعويدها على المشي في مثل هذه الأخلاق. وقد قال الله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾ (النساء: 36)، فجعل الإحسان إلى الجار جزءاً من منظومة الأخلاق التي يقوم عليها المجتمع.
ولعل من بين أفخر هذه المواقف الوقوف للجنائز أثناء مرورها، فهو عمل أخلاقي حضاري وطوعي، احتراماً لحرمة الميت، ثم لا يبقى للإنسان إحساس يُبعد عنه التفكر في الآخرة؛ فالسائر في الركب، وهو يقف وينزل من سيارته، يدرك أن الميت المار على الأكتاف كان قبل البارحة أو البارحة يمتطي آلة بعجلات، وها هو اليوم راحل. ولو علم ذلك أنه سيكون محوراً لوقوف الخلق لعجّل في طلب الوفاة، ما سوى لكي يعتبر أن الحياة قصيرة، والموت أكبر مصيبة، ويتذكر الإنسان قوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ (آل عمران: 185).
إنها التوقف لمرور الجنازة لحظة قصيرة، لكنها قادرة على أن تعيد الإنسان إلى ذاته، وتجعله يتأمل معنى الحياة والموت. فتعطل الحركة الإنسانية بعض الشيء أحسن من أن يمر الإنسان دون تفكر في الموت، غير أن أسس الاحترام التي أوجبها الدين، واحترام الطريق وإعطائه حقه، و النزول للترحم والتخشع، فتلك مزية أخلاقية للإنسان على نفسه، على الأقل، أن يدرك بأنه ذاكر للموت.
وقد وردت في السنة الكثير من الأحاديث التي توفر الطريق وتوقر احترام الميت وتعجيل دفنه، كلها مرويات قد تمر في ثوانٍ أمام العين، والشيطان، لما يؤز الآدمي بالعجلة، فإنما يريد ليغيب عنهم تذكر الموت الذي يجعلهم يتذكرون قربات الله. وقد قال الله تعالى: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَىٰ تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (الذاريات: 55)، وكأن مرور الجنازة في الطريق، بما يصاحبه من صمت ووقوف، يصبح في ذاته لحظة تذكير جماعي، لا تحتاج إلى خطبة ولا إلى موعظة طويلة.
إن كل المجتمعات العالمية تحترم الجسد الإنساني وتعطيه حقه، والدين الإسلامي أجزل ذلك بالعطايا الإلهية لمرتفقِي الطريق، إن أحسنوا العناية، وبمضاعفة الأجر للمتسامحين والراضين. وقد جعل في كلمة «أنا راضٍ» جبلاً من الأجر، فكل وقوف هو احترام وإقرار بطقس تعبدي، ألا وهو الموت.
وما أُجيز لنا في زيارة القبور إلا كتلك الوقفة التي يقفها المار بعجالة على جنازة، فالوقوف ليس حتمياً، بل هو طقس اعتقادي يقربنا من الخوف من الله جل جلاله، ويقوي لنا تصفية مفاهيم الحياة والموت، والصد عن آيات الله الكبرى، كالحياة والموت والبعث. وقد قال الله تعالى: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ حَتَّىٰ زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾ (التكاثر: 1-2)، وفي ذلك انتقال بالإنسان من الانشغال بالحياة إلى استحضار النهاية.
وكثيرة تلك الدول التي زرتها ورأيت فيها مظاهر احترام الميت، ولكن في بلادنا احترام الجنازة ومرورها له وقع أخلاقي خاص، عندما تُركن السيارات ويخرج أصحابها في لحظة خشوع دون كلام أمام الجنازة، وهم يرددون: «الله يرحمه» أو «يرحمها»، في مظهر جمالي وروحي وأخلاقي، مفعم بالفخر لمجتمع ما زالت فيه هذه الطقوس حاضرة في الحياة اليومية.
وهنا يمكن استحضار قول إميل دوركايم في حديثه عن التضامن الاجتماعي، حيث يرى أن الطقوس الجماعية تسهم في تقوية الروابط التي تجمع أفراد المجتمع، لأن الفرد لا يعيش منعزلاً عن الجماعة، وإنما يستمد جزءاً من قوته ومعناه من شعوره بالانتماء إليها. وهذا ما نلمسه في الوقوف أمام الجنازة؛ فالفرد يتوقف لحظة، لكنه في الحقيقة يشارك جماعته في فعل رمزي تتداخل فيه الأخلاق والدين والذاكرة الاجتماعية.
.ومن المنظور الأنثروبولوجي، يعد هذا الطقس رمزاً شعورياً وإحساساً بالخشوع، وأداة تقرّب يدرك من ورائها المعدن الأصيل للأفراد؛ متماسكون كالجسد الواحد، يشعر أحدهم بوجع الآخر، ويحترم موت الآخر كما لو أن الموت يذكره بمصيره هو. وهذا المعنى يقترب من قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ (الحجرات: 10).فالوقوف أمام الجنازة ليس مجرد تعطيل لحركة السيارات، ولا مجرد عادة اجتماعية اعتاد عليها الناس، وإنما هو فعل رمزي تتقاطع فيه العقيدة والأخلاق والثقافة والذاكرة الجماعية. إنه لحظة يتوقف فيها الإنسان عن عجلة الحياة، لكي يتذكر أن الذي يمر أمامه محمولاً على الأكتاف كان بالأمس يمشي بينهم، وأنه قد يكون غداً هو المحمول، وقد يكون الآخرون هم الذين يقفون احتراماً لمروره الأخير.
ومن هنا، فإن هذا الوقوف القصير قد يكون درساً أنثروبولوجياً عميقاً في معنى الإنسان والمجتمع والموت؛ لأن الجماعة التي تقف لجنازة أحد أفرادها لا تحترم الميت وحده، وإنما تعلن، في طقس صامت، أنها ما زالت تؤمن بحرمة الإنسان، حياً وميتاً، وأن التماسك الاجتماعي لا يظهر فقط في الأفراح والمناسبات، بل يظهر أيضاً في لحظات الفقد، حيث يتحول الموت الفردي إلى ذاكرة جماعية، ويتحول احترام الميت إلى احترام للإنسان نفسه.
رفعت للتصميم













