
إِلَى وَطَنٍ فَرَّ مِنْ نَفْسِهِ
ملحمة
بقلم: لطيفة الشّابي
إِلَى وَطَنٍ فَرَّ مِنْ نَفْسِهِ…
هُوَ ذا الحُلْمُ
يَسْتَيْقِظُ فِي جَبِينِ السَّرَابِ،
وَيَنْحَازُ لِصَوْتِ الخُطَى
كَأَنَّهُ رَجْعُ نَبِيٍّ
تَعَبتْ خُطاهُ مِنْ سُوءِ التَّأْوِيلِ.
مَا أَضْيَقَ الرُّوحَ
حِينَ تَسْتَجْدِي مَعْنَى،
وَالوَطَنُ
يُقَلِّبُ فِي صَدْرِهِ
فَتَاوَى الضَّيَاعِ!
مَنْ يَلْتَقِطُ دَمْعَ الحَوَائِطِ
إِذَا بَكَتْ أَسْمَاءُ الشَّوَارِعِ
فَوْقَ أَكْتَافِنَا؟
يَا وَطَنِي…
لِمَاذَا تَرْتَدِي وَجْهَيْنِ:
فَجْرًا يُصَلِّبُ رَائِحَةَ المَاءِ،
وَلَيْلًا يُشَرِّدُ فِي قَلْبِي
غُصُونَ الرَّجَاءِ؟
أَنَا ابْنَةُ سَاحَاتِكَ،
أَحْمِلُ فِي جَيْبِي بَوْصَلَةً
تَقِيسُ وَجَعَ النُّبُوءَاتِ،
وَتَخَافُ مِنْ فَرَاغِ الطَّرِيقِ.
أَيُّهَا القَادِمُونَ
مِنْ ضَجِيجِ الغَفْلَةِ،
خُذُوا مَا شِئْتُمْ
مِنْ هدبِ الرُّوح؛
لَكِنْ
لَا تَسْرِقُوا صَلَاةَ الجُدُودِ
مِنْ جَبِينِ التُّرَابِ!
فَهُنَالِكَ
تَسْكُنُ أَوْجَاعُنَا،
وَتَكْتُبُنَا الأساطير
بِحِبْرِ الخُسْرَانِ
كُلَّمَا غَابَ عَقْلُ النَّدَاءِ.
وَفِي السُّهُولِ الَّتِي أَحْتَفِي بِهَا،
تَتَدَلَّى سَاعَاتُ اللهِ
مِنْ مِعْصَمِ النُّورِ،
تُخَاطِبُ السَّائِرِينَ:
لَا حُزْنَ يَبْقَى فِي العَالَمِ
إِلَّا حِينَ يَنْسَى البَشَرُ
أَنَّهُمْ خُلِقُوا لِلنَّهَارِ.
يَا وَطَنِي…
أَنَا أَعْرِفُ أَنَّكَ تَتَنَفَّسُ مِنْ خِلَالِ جِرَاحِنَا،
وَأَنَّ الحَقَائِقَ
لَا تَسْتَيْقِظُ
إِلَّا فِي بُؤَبُؤِ الدَّمْعِ.
قُلْ لِي:
مَنْ سَيَغْسِلُ زُرْقَةَ السَّمَاءِ
إِذَا اتَّسَخَتْ بِأَنْفَاسِ المَطَامِعِ؟
مَنْ سَيُعِيدُ لِلنُّجُومِ
مَشْيَهَا عَلَى مِيثَاقِهَا الأَوَّلِ؟
مَنْ سَيُنَقِّي هَوَاءَ البِلَادِ
مِنْ صَدَى السِّينَارِيُوهَاتِ الفَاسِدَةِ؟!
أَحْمِلُ فِي صَدْرِي
مِيثَاقَ المَسَافَاتِ،
كُلَّمَا بَعُدْتُ
قَرَّبَنِي الشَّوْقُ
مِنْ جُذُورِكَ،
وَكُلَّمَا اقْتَرَبْتُ
عَلَّمْتَنِي الرِّيحُ
أَنَّ لِلْحُزْنِ
أَيْضًا وَطَنًا
يُقِيمُ فِي دَاخِلِنَا.
هَا أَنَا أَرْفَعُ يَدَيَّ
لِوَجْهِ الغَيْبِ،
وَأَسْأَلُ:
هَلْ سَيَأْتِي يَوْمٌ
تَنْتَفِضُ فِيهِ أَجْنِحَةُ الجَامِعِ،
وَيَسْقُطُ ظِلُّ الطُّغَاةِ
فِي جَوْفِ أَنْفُسِهِمْ،
وَيَعُودُ الشَّعْبُ
لِيَكْتُبَ اسْمَهُ
بِحِبْرِ الحَقِّ
لَا حِبْرِ الهَتَفِ؟!
مَنْ لِهَذِهِ الخَرَائِط إِذَا تَمَزَّقَتِ اللُّغَاتُ،
وَصَارَتِ الحُرُوفُ
ثُقُوبًا فِي دَفْتَرِ النَّجَاةِ؟
مَنْ سَيَسْتَدْعِي أَرْوَاحَ
مَنْ رَحَلُوا
لِيَقُولُوا لَنَا:
إِذَا ضَاقَتْ بِكُمُ الطُّرُقُ،
فَافْتَحُوا طَرِيقًا
فِي الدَّمِ،
وَلَا تَنْسَوْا أَنَّ الوَطَنَ
لَا يَمُوتُ…
إِلَّا إِذَا نَمَا فِيكُمْ صَمْتُ الخَوْفِ.
يَا وَطَنِي…
أَعِدْ لِي نَفْسِي،
فَقَدْ تَشَظَّتْ
فِي مِرْآةِ أَيَّامِكَ.
أَعِدْ لِي وَجْهِي
الَّذِي نَسِيتُهُ
حين طَالَتِ المَسَافَاتُ
مَا بَيْنَ قَلْبِي
وَبَيْنَ حَقِيقَتِي.
وَإِذَا مِتُّ قَبْلَكَ…
فَاجْعَلْ مِنْ تُرَابِي
سَفِينَةً
تُبَارِكُ مَاءَ الفجْرِ،
وَتَحْمِلُ فِي صَدْرِهَا
عَهْدًا لِلنُّورِ:
أَنْ لَا تُولَدَ خُضْرَةٌ فِي الدُّنْيَا
إِلَّا وَفِي ظِلِّ وَطَنٍ
يُصَلِّي.
رفعت للتصميم













