أزمة بنية التفكير عند المثقف اليساري المعاصر.

لم يعد الحديث عن المثقف اليساري اليوم مجرد استعادة لسيرة تيار فكري كان له حضوره القوي في لحظات تاريخية سابقة، بل أصبح محاولة لفهم تحول عميق في موقع هذا المثقف ووظيفته داخل المجتمع. فالمسألة لم تعد مرتبطة بوجود أفكار يسارية أو غيابها، وإنما بكيفية اشتغال هذه الأفكار داخل الواقع، وبقدرة من يحملها على تحويلها إلى قوة تفسيرية وتغييرية في آن واحد. غير أن ما يلفت النظر في التجربة المعاصرة هو أن جزءا من هذا المثقف قد انتقل تدريجيا من موقع الفاعل النقدي إلى موقع المتلقي المنعزل، ومن أفق التغيير إلى أفق إعادة إنتاج ذاته داخل دوائر مغلقة لا تتصل بالمجتمع إلا بشكل رمزي أو خطابي.

 

هذا التحول لم يحدث فجأة، بل جاء نتيجة تراكمات فكرية وسياسية وثقافية. فقد ارتبط المثقف اليساري تاريخيا بمشروع تحرري واسع، كان يقوم على نقد البنى الاجتماعية غير العادلة، وعلى تفكيك علاقات الهيمنة، وعلى الدفاع عن الفئات المهمشة. غير أن هذا الدور، الذي اكتسب مشروعيته من اتصاله المباشر بالواقع الاجتماعي، بدأ يفقد تدريجيا فعاليته حين تحول إلى خطاب يتغذى على ذاته أكثر مما يتغذى على الواقع. فبدلا من أن تكون النظرية أداة لفهم العالم، أصبحت أحيانا معيارا جاهزا لقياس العالم، حتى عندما لا ينطبق عليه.إن الإشكال الأساسي هنا لا يكمن في صحة أو خطأ الأفكار اليسارية في ذاتها، بل في الطريقة التي يعاد إنتاجها بها داخل سياقات اجتماعية مختلفة. فحين تنقل المفاهيم من بيئاتها التاريخية الأصلية إلى مجتمعات ذات تركيبات مختلفة جذريا، دون إعادة تفكيك أو تكييف، فإنها تفقد جزءا من قدرتها التفسيرية. ومع الوقت، يتحول الخطاب إلى شبكة من المفاهيم المكررة التي تستخدم أكثر لإثبات الانتماء الفكري للنخبة، لا لفهم الواقع أو تغييره.

 

يمكن ملاحظة أن جزءا من المثقفين اليساريين قد انشغل بإعادة إنتاج لغة خاصة داخلية، تصبح مع مرور الزمن علامة على الانتماء أكثر من كونها أداة تحليل. هذه اللغة، رغم غناها النظري، غالبا ما تنفصل عن اللغة اليومية للمجتمع، وتخلق فجوة بين المثقف والجمهور. فبينما يعيش الناس تحولات اقتصادية واجتماعية مباشرة، ينشغل الخطاب النخبوي في مستويات تجريدية لا تجد صدى واضحا في التجربة اليومية للناس. وهنا يبدأ الانفصال الحقيقي بين الفكر والمجتمع.هذا الانفصال لا يعني غياب اليسار عن الساحة الفكرية، بل يعني تحوله إلى وجود محدود التأثير في المجال العام. فبدلا من أن يكون قوة اقتراح اجتماعي، أصبح في كثير من الحالات قوة تعليق نقدي على ما يحدث دون قدرة حقيقية على توجيهه أو التأثير فيه. وهذا التحول من الفعل إلى التعليق يمثل أحد أهم مؤشرات الأزمة. وفي موازاة ذلك، ظهرت إشكالية أخرى تتعلق بطبيعة العلاقة بين المثقف اليساري والجمهور. ففي التصور الكلاسيكي، كان المثقف يفترض أن يكون وسيطا بين النظرية والواقع، بين الفكرة والمجتمع. غير أن هذا الوسيط بدأ أحيانا يتحول إلى سلطة معرفية ترى نفسها أكثر قدرة على تحديد “الوعي الصحيح مقارنة بالفاعلين الاجتماعيين أنفسهم. وهنا تتشكل نزعة أبوية غير معلنة، حتى عندما يكون الخطاب معلنا الدفاع عن الحرية والمساواة.

 

هذه النزعة لا تظهر دائما في شكل مباشر، لكنها تتجلى في طريقة تفسير سلوك الجماهير، وفي سرعة إصدار الأحكام على اختياراتها السياسية أو الثقافية. فبدلا من تحليل هذه الاختيارات بوصفها جزءا من تعقيد اجتماعي واقتصادي وثقافي، يتم اختزالها أحيانا في مفاهيم مثل التضليل أو الوعي الزائف أو الانحراف عن المسار التاريخي. ومع أن هذه المفاهيم لها جذور نظرية معروفة، إلا أن استخدامها بشكل مطلق يحول المجتمع إلى موضوع حكم لا إلى موضوع فهم.إن هذه الإشكالية تقودنا إلى نقطة أكثر حساسية، وهي علاقة المثقف اليساري بفكرة التغيير نفسها. فالتغيير في التصور اليساري الكلاسيكي كان مرتبطا ببناء وعي طبقي، وتحولات بنيوية في الاقتصاد والمجتمع. لكن في السياق المعاصر، أصبح الواقع أكثر تعقيدا وتشظيا، بحيث لم يعد ممكنا اختزاله في محور واحد فقط. ومع ذلك، لم يتم دائما تطوير أدوات تحليل قادرة على استيعاب هذا التعقيد، مما أدى إلى فجوة بين طبيعة العالم المتغير وبين أدوات تفسيره.هذه الفجوة ساهمت في تعزيز الإحساس بالعزلة داخل بعض الأوساط اليسارية. فكلما اتسعت المسافة بين النظرية والواقع، زادت الحاجة إلى إعادة تأكيد النظرية بدلا من مراجعتها. وهكذا يتحول الخطاب إلى مساحة دفاعية أكثر منه مساحة نقدية، ويصبح الهدف هو الحفاظ على تماسك الرؤية الفكرية، حتى لو كان ذلك على حساب قدرتها التفسيرية.

 

وفي الوقت ذاته، لا يمكن تجاهل أن جزءا من هذه الأزمة مرتبط أيضا بتغيرات بنيوية في المجال العام نفسه. فصعود الإعلام الرقمي، وتعدد مصادر المعرفة، وتراجع احتكار النخب التقليدية للخطاب العام، كلها عوامل أعادت تشكيل موقع المثقف عموما، وليس اليساري فقط. غير أن الفرق يكمن في أن بعض التيارات الفكرية نجحت نسبيا في إعادة التكيف مع هذه التحولات، بينما بقيت أخرى أسيرة نماذج تواصلية قديمة. يصبح السؤال أكثر تعقيدا: هل نحن أمام أزمة في الفكرة أم أزمة في حامل الفكرة؟ بمعنى آخر، هل المشكلة في اليسار كمنظومة فكرية، أم في الطريقة التي يمارس بها بعض المثقفين هذا اليسار في الواقع؟ هذا السؤال لا يمكن الإجابة عنه بشكل قاطع، لكنه يفتح المجال لإعادة التفكير في العلاقة بين النظرية والتطبيق، وبين الفكر والمجتمع، وبين المثقف ودوره الفعلي في زمن تتغير فيه أدوات التأثير بسرعة غير مسبوقة.

 

ما يمكن ملاحظته في كل الأحوال هو أن استمرار أي مشروع فكري لا يعتمد فقط على صلابة أطروحاته، بل على قدرته الدائمة على مراجعة نفسه، وإعادة تعريف موقعه داخل مجتمع متغير. وحين يفقد هذا المشروع القدرة على النقد الذاتي، يبدأ تدريجيا في التحول إلى خطاب مغلق، مهما كانت نواياه الأصلية مرتبطة بالتغيير والانفتاح.وتحديدا تبدأ ملامح العزلة في الظهور، ليس كقرار واع، بل كنتيجة طبيعية لتراكم الانفصال بين الفكرة وسياقها الاجتماعي.

 

بقلم زكريا نمر