سُكنى الأرواح

زواج الأرواح… حين يلتقي السرُّ بالسرِّ

 

ليست كلُّ اللقاءات تُدركها الأعين، ولا كلُّ المحبّة تُترجمها الكلمات.

 

فهناك لقاءٌ يقع قبل أن تتصافح الأكف، وقبل أن تتبادل العيون النظر، لقاءٌ تعرف فيه الروح وجهتها، ويهتدي القلب إلى سكينته، وكأن شيئًا قديمًا استيقظ في أعماق الإنسان بعد طول غياب.

 

ذلك لأن للأرواح لغةً لا تنطق بالحروف، وميثاقًا لا تكتبه الأقلام، ووصالًا لا تقطعه المسافات.

 

وفي طريق السالكين إلى الله، تتهاوى الحجب واحدًا بعد آخر، حتى يدرك القلب أن الصور أوعية، وأن المعاني هي المقصودة، وأن الأجساد منازل عابرة، أما الأرواح فهي التي تحمل سرَّ القرب وسرَّ المعرفة.

 

ومن هنا كان حديث أهل الله عن زواج الأرواح؛ لا باعتباره اقترانًا بين جسدين، وإنما سكنًا بين حقيقتين، وائتلافًا بين قلبين جمعهما مقصدٌ واحد، هو الله.

 

إنه ليس عقدًا يُكتب، ولا شاهدًا يحضر، ولا زمنًا يحدّه، بل هو موافقةٌ في النور، وانسجامٌ في السير، وتلاقٍ في شهود آثار الحق في كل شيء.

 

وقد قال النبي ﷺ:

 

“الأرواح جنودٌ مجندة، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف.”

 

وكأن الأرواح تحمل في أعماقها قابليةً للتعارف، فإذا شاء الله لها اللقاء، وقع بينها من الأنس ما لا تصنعه السنين، وإذا لم يشأ، بقيت الغربة قائمة وإن اجتمعت الأجساد في مكانٍ واحد.

 

وزواج الأرواح هو تمام هذا الائتلاف؛ أن يصبح أحدهما سترًا للآخر، ورحمةً له، ودليلًا عليه، يذكّره بالله إذا غفل، ويشدُّ يده إذا فتر، ويكون حضوره سببًا في زيادة النور، لا زيادة التعلّق بالدنيا.

 

فالروح التي تقودك إلى الله ليست مجرد رفيق، بل نعمةٌ من نعم الله، وآيةٌ من آيات لطفه.

 

وربما لم يلتقِ الجسدان إلا مرة، وربما حالت بينهما الأقدار، لكن الأرواح إذا تبادلت النور، بقي أثر اللقاء حيًّا في القلب، لأن ما كان لله لا يفنى بانقضاء الزمان.

 

إن الأرواح لا تبحث عن الامتلاك، وإنما تبحث عن السكينة.

 

ولا تطلب السيطرة، وإنما تطلب الشهود.

 

ولا تريد أن تقول: “أنت لي”، وإنما تقول: “سر بنا إلى الله.”

 

وهنا يتحول الحب من رغبةٍ إلى عبادة، ومن تعلقٍ إلى تزكية، ومن شهوةٍ إلى شهود.

 

فكلما خلصت المحبة من حظوظ النفس، اقتربت من حقيقتها، لأن الحب الصادق لا يحجب عن الله، بل يكشف الطريق إليه.

 

وهذا هو سرُّ العشق الخالص؛ أن ترى في كل محبوب أثرًا من آثار الجميل سبحانه، فلا تقف عند الأثر، بل تعبر منه إلى المؤثر، ولا تنشغل بالنعمة عن المنعم، ولا بالصورة عن موجد الصورة.

 

فإذا بلغ السالك هذا المقام، لم يعد يرى في الخلق منافسين على قلبه، بل مرايا تتجلى فيها أسماء الله وصفاته، فيحبهم بالله، ويكرمهم لله، ويرحل منهم إلى الله.

 

وهناك يصبح زواج الأرواح صورةً من صور التوحيد؛ لا لأن روحًا تذوب في روح، وإنما لأنهما يجتمعان على عبودية الواحد الأحد، فتفنى الأهواء، وتبقى المحبة الخالصة التي لا تطلب إلا وجه الله.

 

وعندها يشرق في القلب صدى الميثاق الأول:

 

﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ۖ قَالُوا بَلَى﴾.

 

فكل روحٍ أعادتك إلى هذا العهد، وأيقظت فيك ذكر الله، وزادتك معرفةً بنفسك وربك، فهي من أعظم عطايا الله لك، وإن قصرت صحبتها، أو غابت صورتها.

 

فالعارفون لا يقيسون اللقاء بطول الأيام، وإنما بقدر ما فتح الله فيه من أبواب النور.

 

وما سكنت الأرواح إلا لأنها وجدت في الله موطنها، وما تزاوجت إلا لأنها اجتمعت على محبته، وما انتهت الرحلة إلا حين علمت أن السكن الحقيقي ليس في الخلق، وإنما في الخالق.

 

﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾.

 

﴿فَفِـرّوا إِلَى اللَّهِ إِنّي لَكُـم مِنهُ نَذيرٌ مُبيـنٌ﴾

 

عبـدالله  أحمـد رشـاد الخطيـب