الشاعر لا يُصنع… بل يُولد شاعرًا

بقلم الكاتب كريم جدي

في زمنٍ صار فيه كل شيء يُصنع على عجل الخبز والنجومية…والشهادات الوهمية…وحتى “المفكرون” الذين يخرجون من أرحام مواقع التواصل الاجتماعي لم يعد مستغربًا أن يقرر أحدهم صباحًا أن يكون شاعرًا.. كما يقرر مساءً أن يصبح خبيرًا في الاقتصاد أو محللًا سياسيًا أو فيلسوفًا وجوديًا.

يكفي أن يلتقط صورة بالأبيض والأسود ويرتدي وشاحًا طويلًا ويحدق في الأفق كأنه ينتظر نزول الوحي الشعري…. ثم يكتب بضعة أسطر متكسرة يوزع الكلمات فيها توزيعًا عشوائيًا.. ويكثر من الفراغات والنقاط…. ويستبدل الوزن بالفوضى والمعنى بالغموض… فإذا به يعلن ميلاد “شاعر كبير” لم تنجب اللغة مثله منذ قرون!

لقد أصبح الشعر عند البعض مهنة من لا مهنة له أو هواية من لم يتقن شيئًا آخر… لم يعد يحتاج إلى ثقافة.. ولا إلى قراءة ولا إلى ذاكرة تحفظ المعلقات ولا إلى معرفة بتاريخ القصيدة العربية….ولا حتى إلى أبسط إدراك لفروق اللغة بين الصورة الشعرية والإنشاء المدرسي

هؤلاء لا يعرفون لماذا كان الشعر ديوان العرب… ولا كيف تطورت القصيدة من الجاهلية إلى الإسلام…ثم إلى العصرين الأموي والعباسي.. ولا ماذا أضاف شعراء النهضة ولا كيف جاءت الحداثة ولا لماذا ثارت قصيدة التفعيلة على العمود…ولا كيف تشكلت قصيدة النثر في سياقاتها الفكرية والفلسفية….. إنهم يقفزون مباشرة إلى منصة “الشاعر” دون أن يمروا بمدرسة القراءة

الشاعر الحقيقي لا يبدأ بالكتابة…بل يبدأ بالإنصات ينصت إلى اللغة حتى تهمس له بأسرارها وإلى الحياة حتى تمنحه دهشتها.. وإلى الكتب حتى تمنحه مفاتيحها. أما الشاعر المزيف فيبدأ بالنشر.. ثم ينتظر التصفيق… ثم يبحث لاحقًا عن المعنى الذي لم يكتبه أصلًا

 

إن الشعر ليس كلمات مبعثرة تشبه قطع الأثاث بعد زلزال. وليس كل نص لا يُفهم شعرًا… كما يظن بعضهم.. فالغموض الفني شيء..والعجز عن التعبير شيء آخر وبينهما مسافة شاسعة لا يدركها إلا من خبر الشعر قراءةً وكتابةً..ومن طرائف هذا العصر أن بعض “الشعراء” لا يحفظون بيتًا واحدًا للمتنبي.. ولا يعرفون الفرق بين أبي تمام والبحتري وربما ظنوا أن امرأ القيس شاعر معاصر لأنه كثير التداول على الإنترنت… فإذا سألت أحدهم عن السياب أو أدونيس أو محمود درويش أو أمل دنقل أو نزار قباني.. أجابك بثقة العارف: “لم تتح لي فرصة قراءتهم… فأنا أكتب من إحساسي فقط.”

وكأن الإحساس وحده يكفي لصناعة الشعر.. كما لو أن امتلاك الشهية يجعل الإنسان طاهيًا عالميًا أو امتلاك الأذن يجعله موسيقارًا أو حمل المبضع يحوله إلى جرّاح….

الموهبة شرط أول لكنها ليست الشرط الوحيد… إنها البذرة.. أما الشجرة فلا تنمو إلا بماء القراءة وسماد الثقافة.. وشمس التجربة..وصبر السنين….ولهذا كان كبار الشعراء قراءً نهمين قبل أن يكونوا شعراء كبارًا كانوا أبناء مكتبات.. لا أبناء منشورات عابرة

 

إن الشاعر لا يُصنع في ورشات المجاملة.. ولا في أمسيات التصفيق المتبادل..ولا بعدد الإعجابات والتعليقات التي تبدأ بـ”أبدعت” حتى لو كان النص يئن من الأخطاء اللغوية والركاكة والأساليب المستهلكة فالإعجاب المجاني قد يصنع وهمًا.. لكنه لا يصنع شاعرًا.

لقد أصبح بعضهم يؤسس لنفسه جمهورًا قبل أن يؤسس لنفسه لغة….ويبحث عن الشهرة قبل أن يبحث عن القصيدة….يريد أن يكون شاعرًا دون أن يدفع ضريبة الشعر: القراءة والتمرين…والشك وإعادة الكتابة…والخوف من الكلمة قبل إطلاقها.

ويبقى الشعر… رغم كل هذا الضجيج…عصيًا على التزوير… قد يخدع الشاعر المزيف جمهورًا صغيرًا لبعض الوقت.. لكنه لن يخدع التاريخ طويلًا. فالقصائد الحقيقية تعيش لأنها تحمل روحًا.. أما النصوص المصنوعة على عجل فتذبل بانتهاء موسم التصفيق…ولذلك فإن الشاعر لا يُصنع بقرار مفاجئ ولا ببطاقة تعريف يكتب عليها “شاعر” ولا بمنشور يحصد مئات الإعابات…..الشاعر يُولد ببذرة الموهبة ثم يعيد ولادة نفسه كل يوم بالقراءة… والثقافة… والمعرفة.. والاحتراق في أتون اللغة حتى تصبح القصيدة جزءًا من دمه….

أما من يظن أن الشعر نزهة عابرة.. فسيكتشف عاجلًا أو آجلًا… أن اللغة لا تمنح مفاتيحها لمن يطرق بابها بخفة… وأن القصيدة لا تعترف إلا بأبنائها الحقيقيين….

 

سأقدم خلال المنشورات القادمة قراءات مختلفة لثلاث تحارب مختلفة : ابراهيم صديقي…ٱمنة بلعلى…سليمان جوادي…