حماة الأرواح في حريق منشأة ناصر

بقلم د. حماد الرمحي يكتب

اللواء محمد الشربيني وشهداء حريق منشاة ناصر يكتبون بدمائهم ملحمة الوفاء للوطن

 

هناك رجال لا تكتب أسماءهم ألسنة اللهب على جدران الحرائق، بل تكتبها دماء الواجب في ذاكرة الوطن، وحين يهرب الناس من الموت، يركضون هم إليه، لا لأنهم يعشقون الخطر، وإنما لأنهم أقسموا أن تكون حياة الآخرين أثمن من حياتهم.

تلك هي المهنة الوحيدة التي يبدأ فيها الانتصار باحتمال ألا يعود صاحبها إلى منزله، ويصبح الوداع جزءًا من تفاصيل يومه، فيما تبقى البطولة صامتة لا تطلب تصفيقًا ولا تنتظر مكافأة.

في كل حريق، لا تواجه قوات الحماية المدنية النيران وحدها، بل تواجه الزمن، والذعر، واحتمالات الانهيار، وصرخات الاستغاثة التي لا تمنح أصحابها فرصة ثانية.

ولهذا، فإن رجل الحماية المدنية لا يحمل مجرد معدات للإطفاء، بل يحمل رسالة إنسانية عنوانها التضحية، وإيمانًا راسخًا بأن إنقاذ روح واحدة يساوي الدنيا وما فيها.

وقد تجسدت هذه الرسالة بكل معانيها خلال الحريق الهائل الذي اندلع في منطقة منشأة ناصر، إحدى أكثر المناطق عشوائية وكثافةً بالسكان، ففي لحظات كانت النيران تتمدد بسرعة مخيفة، وتحاصر المنازل والمخازن التي تضم مواد شديدة الاشتعال والانفجار، اندفع رجال الحماية المدنية إلى قلب المشهد، واضعين نصب أعينهم هدفًا واحدًا وهو إنقاذ الأرواح قبل أي شيء آخر، غير عابئين بما قد يدفعونه من ثمن.

كانت الأولوية إخلاء السكان، ومنع امتداد النيران إلى الكتل السكنية المجاورة، والسيطرة على المواد القابلة للاشتعال التي كان انفجارها كفيلًا بتحويل المنطقة إلى كارثة إنسانية واسعة النطاق.

وبينما كان الأهالي يفرون من ألسنة اللهب، كان رجال الحماية المدنية يخوضون سباقًا مع الزمن، لا يفكرون إلا في إنقاذ من بقي داخل دائرة الخطر.

لكن القدر كان يخبئ النهاية الأكثر إيلامًا، فقد تعرض أحد المباني المجاورة، لإجهاد حراري بالغ العنف، أدى إلى انهياره المفاجئ فوق رجال كانوا يؤدون واجبهم في الصفوف الأولى.

وفي لحظة واحدة، تحولت أرض المهمة إلى شاهد على واحدة من أنبل صور الفداء، بعدما ارتقى ثلاثة من أبناء وزارة الداخلية شهداء وهم يؤدون رسالتهم الإنسانية والوطنية.

رحل اللواء الدكتور محمد محمود الشربيني، مساعد وزير الداخلية ومدير الإدارة، وإلى جوار النقيب عبد الرحمن العدوي، وأمين الشرطة حمد عبد الجواد.

ثلاثة رجال اختلفت رتبهم، لكنهم توحدوا في الهدف، واجتمعوا على قلب رجل واحد في مواجهة النيران، لم يكن بينهم قائد يتراجع وجنود يتقدمون، بل كانوا جميعًا في الصف الأول، كتفًا بكتف، يجسدون المعنى الحقيقي للعمل الجماعي وروح الانتماء.

ولعل أكثر ما يخلد هذه الملحمة أن اللواء الدكتور محمد محمود الشربيني لم يكن مضطرًا لأن يكون وسط ألسنة اللهب، كان في وسعه أن يدير المشهد من غرفة العمليات، أو أن يكتفي بإصدار التعليمات من موقع آمن، لكنه اختار أن يمنح رجاله الدرس الأبلغ في القيادة.

آمن بأن القائد الحقيقي هو أول من يصل إلى الميدان، وآخر من يغادره، وأن القدوة لا تُصنع بالكلمات، وإنما بالفعل.

وإلى جواره، كان النقيب عبد الرحمن العدوي يؤدي واجبه بكل شجاعة وإخلاص، بينما كان أمين الشرطة حمد عبد الجواد يقدم نموذجًا مشرفًا لرجل الشرطة الذي لا يبحث عن الأضواء، بل يكتفي بأن يؤدي رسالته في صمت، مؤمنًا بأن حماية الناس شرف لا يضاهيه شرف.

سيبقى اللواء الدكتور محمد محمود الشربيني، والنقيب عبد الرحمن العدوي، وأمين الشرطة حمد عبد الجواد، ثلاثة أسماء مضيئة في سجل شهداء الواجب، لأنهم أثبتوا أن البطولة لا تُقاس بالرتبة، وإنما بحجم العطاء، وأن الشهادة ليست نهاية الطريق، بل بداية الخلود في ذاكرة وطن لا ينسى أبناءه المخلصين.

رحم الله شهداء الحماية المدنية، وأسكنهم فسيح جناته، وألهم أسرهم الصبر والسلوان، وحفظ مصر من كل سوء، ومن الإرهاب والتطرف والفساد والعشوائيات، وأدام عليها نعمة الأمن والاستقرار، لتظل راية الوطن خفاقة بتضحيات أبنائه البررة الذين كتبوا بدمائهم أنبل صفحات الشرف والفداء.