
العصفور وثمن الدفء
مددت كفي إليه ببعض حبات القمح،
فخفق بجناحيه الصغيرين وابتعد.
وقفت أرمق السماء متسائلاً: كيف يهرب جائع من مائدة مدت إليه؟
في تلك اللحظة، همس لي الفضاء بسر من أسرار الخليقة:
العصفور لا يخشى يدك الممتدة، بل يخشى ثمن الدفء الذي تعرضه عليه. إنه يقرأ في راحة اليد المفتوحة قفصاً محتملاً، وفي حبة القمح قيداً خفياً.
نحن أبناء الأرض كثيراً ما نساوم. نبيع سماءنا الواسعة من أجل زاوية آمنة، ونستبدل أجنحتنا بكسرة خبز. نرتضي الأقفاص إن كانت مريحة، وبمرور الأيام ننسى كيف نطير.
أما هو، ذلك الكائن الهش العظيم، فيعرف بفطرته الأولى أن الجوع في قلب العاصفة أشرف من شبع يصادر الفضاء. يعلم أن الخبز قد يبقي الجسد على قيد الحياة، لكن الحرية وحدها هي التي تجعل الروح تتنفس.
لا تحزن إن طار العصفور تاركاً طعامك.
بل ابتسم، ولا تشفق عليه.
نحن يا صديقي من يجب أن يشفق على نفسه، لا العصفور. فنحن نساوم على أجنحتنا كل يوم، نشتري خبز الأيام بفتات من أرواحنا، ونرتضي البقاء في أقفاص غير مرئية لمجرد أنها دافئة ومضمونة.
أما العصفور، فقد علمني أن الكرامة قد لا تشبع البطون، لكنها وحدها ما يبقي الروح حية. وأن ننام جياعاً على غصن يتمايل في مهب الريح، أشرف ألف مرة من شبع يسلبنا حقنا في الطيران.
يا ليتنا كنا طيوراً ..
لندرك أن السماء، ولو كانت باردة،
أرحم من كف تطعمنا لتملكنا.
سجين الوجع












