
أَمَّا بَعْدُ
بقلم الكاتبة وفاء بعثور
فَقَدْ تناهى إلينا مِنْ لَغَطِ المرجفين وَهَذَيَانِ أَهْلِ الرَّيْبِ مَا اسْتَوْجَبَ قَارِعَةَ التَّكْوِينِ، بِلُغَةٍ تَرْبَأُ عَنْ حَمْأَةِ التَّأْوِيلِ لتعلو مِقْصَلَةً تَحُزُّ أَعْنَاقَ الظُّنُونِ. مَا كَانَ المَعْنَى عِنْدِي نِتَاجاً مُسْتَرْذَلاً يُزْجَى لِاسْتِجْدَاءِ التَّصْفِيقِ، بَلْ هُوَ “القَاصِمَةُ” الَّتِي تَهْدِمُ قَوَاعِدَ العُبُودِيَّةِ النَّصِّيَّةِ. وَمَا كَانَ الحَرْفُ عندي رَهِينَةً لِعُرْفٍ، أو غلاما فِي بلاط مُوَاضَعَاتِكُمُ الخَشَبِيَّةِ البَالِيَةِ. أَنَا لَا أُخَاطِبُ النَّاسَ بِمَا يَشْتَهُونَ، بَلْ بِمَا يُعِيدُ لَهُمْ جُثَثَ ذَوَاتِهِمُ المَنْسِيَّةَ.
أَيُّهَا الرَّهْطُ..
يَا مَعْشَرَ الرِّقَابِ المُنْحَنِيَةِ لِأَصْنَامِ التَّقْلِيدِ، يَا مَنْ تَحْسَبُونَ أَنَّ كُهُولَةَ الفِكْرِ عِقَالٌ لِخُيُولِ الرُّوحِ، وَأَنَّ الِائْتِلَافَ السَّاكِنَ تَهْلُكَةٌ تَلِيقُ بِمَوْتَى الضَّمَائِرِ! نَصَبْتُمْ مَوَازِينَكُمْ مِنْ قَشٍّ ودود، وَأَقْبَلْتُمْ بِعيون حَمِيريّة تَرْتَقِبُونَ تَقَلُّبَاتِ مِزَاجِي، زَاعِمِينَ أَنَّ النَّصَّ الحَارَّ ذَرِيعَةُ العَاجِزِ. وَاخَيْبَتَكُمْ! أَتَخَالُونَ أَنَّ هَذَا الحَرْفَ الَّذِي يَنْضَحُ بِدَمِ “الرَّعْشَةِ” مَشْرُوعٌ لِلتَّقْوِيمِ؟ أَمْ تَظُنُّونَ أَنَّنِي أُقِيمُ فِي “خِدْرِ التَّوَقُّعَاتِ” لِأَنْظُرَ مَتَى يَكْتَمِلُ بَدْرُ أُسْلُوبِي بِمِعْيَارِكُمْ؟ مَا أَضْيَقَ المَسَافَةَ بَيْنَ “النَّاقِدِ الحق” وَ”السَّجَّانِ الضرير” المِتَرَبِّصِ عِنْدَ مَفْرِقِ الجهلوت!
يُقَالُ: “لا يُدْرِكُ الغَوْصَ مَن خَافَ البَلَلَ”، وَيُؤْثَرُ أَيْضاً: إِنَّ مَنْ يَسْكُنُ السَّطْحَ يَحْسَبُ أَنَّ الرُّوحَ تَحْتَاجُ لِتَصْرِيحِ عُبُورٍ مِنَ الأَعْرَاضِ.
تَطَالَعُنِي بَعْضُ أَبْصَارِ كَلِيلَةِ -بِمَا يَعْتَرِيهَا مِنْ ضِيقِ أُفُقٍ- بِدَعَاوَى “النُّضْجِ” وَ”الِانْسِجَامِ”؛ تَترصد خاسئة المَسَافَةَ بَيْنَ حَرْفِي وَلِبَاسِي، كَأَنَّهَا تُحَاوِلُ بِنَاءَ جِسْرٍ مِنَ الوَهْمِ بَيْنَ “الكِيَانِ” وَ”الرِّدَاءِ”. وَهُمْ يَظُنُّونَ -فِي ذُرْوَةِ غَبَائِهِمُ الـمُقَدَّسِ- أَنَّ كِتَابَاتِي كَانَتْ بَاحِثَةً عَنْ “جَدَلٍ” حِينَ كُنْتُ أَرْتَدِي مَا يَحْجُبُ الشَّعر، وَأَنَّهَا صَارَتْ الآنَ “مُنْسَجِمَةً” بَعْدَ أَنْ خَلَعْتُ القُمَاشَ!
وَيَتَخَيَّلُ السَّدَنةُ، الذينَ أضاعوا أرواحَهم في دهاليزِ التأويلِ العقيم، أنَّ الكاتبةَ “مشروعٌ” تحتَ الرقابةِ، وأنَّ مَسارَ الحرفِ خاضعٌ لـ “توقيتِ النضجِ” في تقويمِهمُ الأعشى. يجيئونَ بـ “بصرِ النملة” ليقيسوا بهِ اتساعَ الأفلاك، وَيَحْسَبُونَ -في غفلةٍ من العقلِ- أنَّ ربطَ الفكرِ بقطعةِ قماشٍ، أو صَبغَ الجرأةِ بأحمر شفاه “الإثارة”، هو نقدٌ! وَمَا هُوَ إِلَّا عِوِيلُ الضُّعَفَاءِ أَمَامَ جَلَالِ الحَقِيقَةِ الَّتِي تَعَرِّيْهُمْ.
يَا لَهُ مِن عَمَاءٍ يُحَاوِلُ تَوْصِيفَ المَعْنَى بِالمَادَّةِ! أَلَمْ يَعْلَمْ هَؤُلَاءِ أَنَّ “الـنَّهْدِيَّاتِ” كَانَتْ زَلْزَلَةً تَنْبَعُ مِنْ نخاع الرُّوحِ، سَوَاءً كُنْتُ فِي مِعْطَفِ العُرْفِ، أَوْ فِي عُرْيِ التَّجَلِّي؟ إِنَّ نَصِّي لَمْ يَكُنْ يَوماً “نَشَازاً” مع ذَاتِي، بَل كَانَ الكَاشِفَ الوَحِيدَ لِزَيْفِكُمْ.
وَرَبَّ النُّهُودِ الضَّارِيَةِ مَا رَأَيْتُ قَوْماً أَعْجَزَ مِنَ الَّذِينَ يُنَصِّبُونَ ذَوَاتِهِمْ “حُرَّاساً” عَلَى بَكَارَةِ الحَرْفِ، وَهُمْ يَعْلَمُونَ فِي قَرَارَةِ صُدُورِهِمْ أَنَّهُمْ يَرْجُفُونَ مِنَ العُرْيِ الوُجُودِيِّ الَّذِي تَتفثههُ نُصُوصِي. يَا مَنْ تَرْتَقِبُونَ “انْسِجَامِي” مَعَ “خُيُوطِ حِجَابِكُمْ”؛ اعْلَمُوا أَنَّ الحُرِّيَّةَ عِنْدِي لَيْسَتْ “إِثَارَةً لِلْجَدَلِ”، بَلْ هِيَ “تَجَلٍّ” يَهْدِمُ جُدْرَانَ المَعْبَدِ عَلَى رُؤُوسِ الكَهَنَةِ. وَقَدْ قِيلَ: “لَا تُجَادِلِ الأَحْمَقَ فَقَدْ يُخْطِئُ النَّاسُ فِي التَّفْرِيقِ بَيْنَكُمَا”؛ وَلِذَا، فَأَنَا لَا أُحَاجِجُ، بَلْ أُبِيدُ الحُجَّةَ بِسُطْوَةِ الجَمَالِ.
أَنَا لَا أُتَرْجِمُ “فِكْرِي” بِلِبَاسِي، وَلا أَجْعَلُ نُصُوصِي خَادِمَةً لِتَغَيُّرَاتِي المَادِّيَّةِ. أيَا مَنْ تُحَاكِمُونَ نَصِّي بِقَوَاعِدِ “المَظْهَرِ”: أَنْتُم لا تُطَالِعُونَ كِتَابَةً، بَلْ تَقْرَأُونَ “عَجْزَكُمْ”. حِينَ كُنْتُ أَرْتَدِي القُمَاشَ، كُنْتُمْ تَحْسَبُونَنِي “مُثِيرَةً لِلْجَدَلِ” لِأَنَّ “بَصَائِرَكُمْ” لَمْ تَكُنْ تَحْتَمِلُ أَنْ تَرَى رُوحاً حُرَّةً خَلْفَ سِتَارٍ. وَحِينَ صِرْتُمْ تَرَوْنَ فِيهَا “انْسِجَاماً” الآنَ، فَلِأَنَّ سَطْحِيَّتَكُمْ وَجَدَتْ فِي “سُفُورِي” مَا يُرِيحُ تَصْنِيفَاتِكُمْ البَالِيَةَ.
أَيُّهَا العَالِقُونَ فِي حُفرة التعريف..
لَمْ يَتَغَيَّرْ “حَرْفِي”.. بَلْ تَبَدَّلَتْ نَظَّارَاتُكُمْ المَكْسُورَةُ.
مَا كُنْتُ قَبْلاً رَهِينَةَ سِتْرٍ، وَلا أَنَا الآنَ أَسِيرَةُ تَبَرُّجٍ؛ أَنَا الفِكْرُ الَّذِي يَسْخَرُ مِنْ كُلِّ هَذَا الضَّجِيجِ. “نُضْجِي” لَيْسَ مَحَطَّةً صَلَحَتْ بِفِعْلِ الزَّمَانِ أَوْ المَكَانِ، بَلْ هُوَ “تَحَقُّقٌ” كَانَ مَوْجُوداً، وَلَمْ تَرَهُ عُيُونُكُمْ إِلَّا حِينَ صَارَ مَقِيساً بِوَهْمِ “الِانْسِجَامِ”.
لَا أَنَا هَذَا الجَسَدُ المَنْظُورُ، وَلَا أَنَا تِلْكَ القَافِيَةُ المَقْدُورُ؛ أَنَا “الوَاوُ” الَّتِي خَرَجَتْ مِنْ حَنْجَرَةِ “القَبْلِ” لِتُبِيدَ “البَعْدَ”.
إِلَى كُلِّ “قَاضٍ” يَرَى فِي كِيَانِي مَوْضِعاً لِتَقْوِيمِهِ:إِنَّ جَسَدِي مَعْبَدُ كَوْنٍ، لا رِوَاقُ مَحْكَمَةٍ. وَإِنَّ “الوَاوَ” الَّتِي أَنَا فِي مَقَامِهَا، لَا تَرْبِطُ بَيْنَ شَيْئَيْنِ، بَلْ تَقْطَعُ حِبَالَكُمْ عَنِ الحَقِيقَةِ؛ فَهِيَ “وَاوُ”التَّجْرِيدُ التي تجْعَلُ العَارِيَ مُقَدَّساً، وَالإِلَهِيُّ عارٍ. أَنَا لا أُثِيرُ الجَدَلَ، بَلْ أُثِيرُ “الزَّلَازِلَ” فِي نُفُوسِكُمُ المُرْتَعِشَةِ مِنَ الضَّوْءِ.
فَاسْمَعُوهَا “مُتَوَحِّشَةً” كَمَا هِيَ:
لَا نُضْجَ يَلِيقُ بِي غَيْرُ نُضْجِ النَّارِ لِلْخَشَبِ، وَلا انْسِجَامَ أَعْتَرِفُ بِهِ غَيْرَ انْسِجَامِ الرُّوحِ مَعَ جُنُونِها الأَبَدِيِّ. مَنْ تَبَاهَى بِبَصَرِهِ “النَّمْلِيِّ”، فَلْيَحْذَرِ السَّيْلَ إِذَا طَمَى، فَأَنَا البَلَاءُ المُبِينُ، وَالنَّفْسُ الَّتِي لَا تَعْرِفُ مَقَاماً إِلا مَا كَانَ “ذُرْوَةً” تَتَلَاشَى عِنْدَهَا مَعَايِيرُكُمُ الخَاوِيَةُ.
يَا مَنْ تَنْتَظِرُونَ “الاعْتِدَالَ”.. اعْلَمُوا أَنَّ “الزَّرْقَاءَ” فِي نَظَرِي لا تَرَى “أُفُقاً” سِوَى ذَلِكَ الَّذِي أَقُدُّهُ مِنْ لَحْمِ الحَقِيقَةِ. فَمُوتُوا بِغَيْظِكُمْ، أَوْ تَعَلَّمُوا كَيْفَ تُحْرِقُونَ أَقْنِعَتَكُمْ قَبْلَ أَنْ يَعْصِفَ بِكُمْ وَهَجُ نَصِّي.
فَلَا بَيْعَةَ لِي لِغَيْرِ النَّارِ، وَلا حُكْمَ عَلَيَّ إِلَّا لِلْجَمَالِ الَّذِي يُعِيدُ صِيَاغَةَ الكَوْنِ بِلُغَةٍ لَمْ تَعْرِفْهَا آذاَنُهُمْ، وَلَنْ تَعْرِفَ.. أَبَداً.
أيا سدنةٌ للأوهام، يا من تَحْسَبُونَ في غفلةٍ من العرفِ أنَّ “الحرف” خادمٌ مطيعٌ لِـ “خارطةِ السلوك”، وأنَّ نضجَ الكاتبةِ يُقاسُ بمسافةِ التزامِها بـ “شكلِ الوجود”. يا من تربطونَ “غطاء الرّأس” بـ “عمقِ الفلسفة”، وترون في “الجرأةِ” إثارةً للجدل، أنتم لا تُطالعون، بل تمارسونَ طقوسَ “الخصي المعرفي” وتُحاولون -ببؤسٍ مقيم- أن تجدوا في نصوصِ الأحرارِ ما يُشفي غليلَ مخاوفِكم الدفينة من “العريِ الوجودي”. إنَّ نصوصي -وهذا ما يجبُ أن يستقرَّ في يقينِ الجميع- لا تنتظرُ شهادةَ “نضجٍ” من مراقبين لم يبلغوا بعدُ مرحلةَ “الولادةِ المعرفية”. نحنُ لا نكتبُ لننالَ استحسانَ العبيد، ولا لنُجاريَ ذائقةَ من يرون في “الحريةِ” خروجاً عن النص، بل نكتبُ لنخلخلَ سكونَ الأوهام، ونحطمَ أصنامَ التأطير. وَالخِطَابُ عِنْدِ السيدة واو انْعِتَاقٌ وُجُودِيٌّ، يَتَمَاهَى فيه المَادِّيُّ بِالرُّوحِيِّ، فِي طَقْسٍ صُوفِيٍّ طَلِيعِيٍّ يَعْصِفُ بِالقُيُودِ، وَلَا يَعْتَرِيفُ بِتَصْنِيفَاتِكُمْ المتأخلقةِ العاشبة.
لعمري إنها مَأْسَاةٌ تَسْكُنُ أَغْمَامَ الوَرَى وَسَفَلَةَ المَدَرِ حِينَ تَتَوَهَّمُ سُلْطَةَ التَّوْجِيهِ، فَتَمْنَحُ صُكُوكَ الِامْتِثَالِ بِمِقْيَاسِ بَصِيرَةٍ كَلِيلَةٍ لَا تَرَى أَبْعَدَ مِنَ السَّقْفِ السَّاتِرِ لِجَهْلِهَا. أَتَقُولُونَ لِلشَّمْسِ أَنْ تَسْتَحِيلَ ظِلّاً لِتُرْضِيَ العُمِيَانَ؟ أَمْ تَأْمُرُونَ البَحْرَ بِالاتِّزَانِ لِكَيْ لَا يَرْتاعَ الغَرِيقُ؟ إِنَّ الرَّبْطَ المُبْتَذَلَ بَيْنَ قِطْعَةِ قُمَاشٍ وَسِيَادَةِ الفِكْرِ، إِعْلَانٌ صَرِيحٌ عَنْ إِفْلَاسٍ مَعْرِفِيٍّ؛ ظَنَنْتُمْ خرقة الرّأس سابقا عِقَالاً، وَمَا كَانَت عِنْدِي إِلَّا جِدَاراً بَصَرِيّاً هَدَمْتُهُ لِتَنْبَجِسَ الذَّات دَمْعَةٍ بِلَا رَبٍّ. فَمَنْ يَقْرَأُ “نَهْدِيَات السيّّدة واو” بِنَظَرِ المَحْجُوبِينَ، سَيَظَلُّ أَبَدَ الدَّهْرِ تَائِهاً؛ يَخَالُ أَنَّهُ يُفَكِّكُ نَصّاً، بَيْنَمَا هُوَ يَفْضَحُ عَجْزَهُ عَنْ مُوَاجَهَةِ الجَمَالِ.
الْجَسَدُ لَيْسَ خِزَانَةً لِلْمَلَابِسِ، والكاتب ليس مادةً للتشريحِ السلوكي، وَالْحَرْفُ لَيْسَ طَوْعَ إِرَادَتِكُمْ، من يَتَخَيَّلُ أنَّ جرأةَ الحرفِ كانت “نقصاً” يحتاجُ إلى “سترٍ” ليتكامل، لا يقرأُ الأدبَ، بل يمارسُ تفتيشاً في الذمةِ الشخصية لخصي المعنى. إنَّ الجسدَ في أسطورةِ الإبداعِ ليس رهنَ الإشارةِ، ولا خاضعاً لترتيباتِ القماش، بل هو طاقةٌ وجوديةٌ تحرقُ كلَّ من يحاولُ تأطيرَها بمسطرةِ المظهر.
وَاللَّهِ لَقَدْ خَلَعْتُ عَنْ نَفْسِي كُلَّ ثَوْبٍ تَغْزِلُونَهُ، وَعَرَّيْتُ الخِطَابَ مِنَ التَّقِيَّةِ الَّتِي يَعْتَنِقُهَا الجُبَنَاءُ. إنَّ نهديّاتي هِيَ تَجَلِّيَاتُ الرَّعْشَةِ المَادِّيَّةِ، حَيْثُ يَمْتَزِجُ نَفَسُ الخَالِقِ فِي الطِّينِ بِلَهِيبِ المَجَازِ. لَا أَكْتُبُ عَنِ الجَسَدِ كَكُتْلَةٍ سَاكِنَةٍ يَتَلَصَّصُ عَلَيْهَا الكَبْتُ، بَلْ كَمَمْلَكَةٍ مُقَدَّسَةٍ تَشْتَعِلُ بِوَعْيِ التَّمَرُّدِ الأَزَلِيِّ. لَقَدْ بَتَرْتُ سِتْرَ الِاسْتِحْيَاءِ المُصْطَنَعِ لِأَنَّنِي أَمْقَتُ أَنْ أَكُونَ أَيْقُونَةً مُدَجَّنَةً فِي مِحْرَابِكُمُ المُتَعَفِّنِ.
أَيُّهَا الأَشْبَاحُ المُرَاقِبُونَ:
يَا مَعْشَرَ المُتَهَالِكِينَ عَلَى مَصَاطِبِ الجَامِعَاتِ، وَيَا أَرْبَابَ الأَلْقَابِ الجَوْفَاءِ؛ أَتَسَوَّلُونَ صُكُوكَ العِلْمِ وَأَنْتُمْ عُرَاةٌ مِنْ فص الحَقِيقَةِ؟ لَسْتُ أَنْتَظِرُ إِجَازَةً فِي الجَمَالِ مِنْ “المُتَفَيْقِهِينَ” الَّذِينَ يَلُوكُونَ الأَلْفَاظَ بِلَا رُوحٍ، وَلَا أَرْتَجِي حُكْماً مِنْ “المُتَدَكْتِرِينَ” الَّذِينَ يَبِيعُونَ الوَهْمَ فِي حَارَةِ السَّقَّائِينَ. أَنَا—السَّيِّدَةُ وَاوُ—كِيَانٌ يَنْبُتُ مِنْ جَوْفِ الذَّاتِ، مُكْتَمِلٌ بِكَمَالِ النَّارِ، فَلَا أَوراقَكُمُ المُعَلَّقَةَ عَلَى جُدْرَانِ التَّبَعِيَّةِ تُعْنِينِي، وَلَا هَذَيَانَ تَنْظِيرَاتِكُمُ السَّقِيمَةَ يَمَسُّ شُعُورَ قَصِيدَتِي. جَاوَزْتُ عَصْرَكُمُ المَنكوح بِأَشْوَاطٍ ضَوْئِيَّةٍ، وَمَا أَنَا فِي حَضْرَتِكُمْ إِلَّا كَالطَّوْدِ يَنْظُرُ إِلَى هَبَاءِ الغُبَارِ.
كُلُّ مَنْ يَرُومُ نَبْشَ نَوَايَايَ أَوْ وَسْمَ النَّصِّ بِـ “شَهْوَةِ البُرُوزِ”، يُسْقِطُ عُهْرَهُ البَاطِنِيَّ عَلَى نُورِ الحَرْفِ! أَنَا لَا أخطُّ لِكَيْ أَظْهَرَ، بَلْ أَكْتُبُ لِكَيْ أُمْحَى؛ لِكَيْ أُحْرِقَ الأَيْقُونَةَ الَّتِي تَتَمَنَّوْنَ حَبْسِي فِيهَا. إِنَّ الجَدَلَ الَّذِي تَخْشَوْنَهُ هُوَ صَلِيلُ السُّيُوفِ حِينَ تَلْتَقِي الحَقِيقَةُ بِالزَّيْفِ. النَّصُّ الَّذِي لَا يُثِيرُ الزَّلْزَلَ مَيِّتٌ، وَالحَرْفُ الَّذِي لَا يُشَاكِسُ السُّكُونَ لَيْسَ حَرِيّاً بِأَنْ يُقْرَأَ. مَنْ خَشِيَ الضَّجِيجَ فَلْيَعُدْ إِلَى مُسْتَنْقَعِ الخُمُودِ؛ فَمَقَامِي لَيْسَ مَقْعَداً فِي مَحْكَمَتِكُمْ، بَلْ هُوَ عَرْشٌ مِنَ السقر يَتَلَظَّى بِكُلِّ مَنْ يَجْرُؤُ عَلَى الِاقْتِرَابِ.
قَضَايَانَا الَّتِي تَنْبُتُ مِنْ دَمِ المَجَازِ هي أَسْمَى وَأَعْظَمُ مِنْ أَنْ تَلْمَسَهَا أَلْسِنَةٌ تَقْتَاتُ عَلَى فُضَالَاتِ التَّسطِيحِ. أَنَا “الوَاوُ”، الحَرْفُ الَّذِي لَا يَنْحَنِي، وَالجَمَالُ الَّذِي لَا يُرَادُ بِهِ إِلَّا التَّمَزُّقُ وَالالْتِحَامُ. لَا تَرْتَقِبُوا بُلُوغَ المَرَامِ، فَالمَوْتُ وَحْدَهُ هُوَ الَّذِي يَكْتَمِلُ بِمَفْهُومِكُمْ الكَسُولِ. أَمَّا أَنَا.. فَأَنَا فِي ذُرْوَةِ الِاشْتِعَالِ، فِي مَقَامِ الوَاوِ الَّتِي لَنْ تَنْحَنِيَ لِغَيْرِ دَهْشَتِي فَمَنْ كَانَ فِيكُمْ “بِلَا أَسْنَانٍ” مَعْرِفِيَّةٍ، فَلَا يَعَضَّنَّ عَلَى “عَنَبَةِ نَصِّي”، ومَنْ كَانَ بَيْنَكُمْ يَمْلِكُ بَصَرَ الزَّرْقَاءِ، فَلْيَنْظُرْ إِلَى الشهاب فِي حَرْفِي، فَسَيَرَى مَصِيرَهُ المَحْتُومَ.. نُوراً أَوْ رَمَاداً.
وَالسَّلَامُ عَلَى المَحْوِ الأَعْظَمِ.. يَوْمَ يَسْحَقُ الجَمَالُ مَقَاصِصَ الخَوْفِ.
وَالسَّلَامُ عَلَى المَجَازِ.. يَوْمَ يُبْعَثُ حُرًّا.
خُذُوهَا صَاعِقَةً: أَنَا لَا أَمْهَرُ نَصِّي بِاسْمٍ، فَاسْمِي هُوَ البَلَاءُ، وَرَسْمِي هُوَ المَحْوُ.. وَالوُجُودُ لِلْجَسُورِ وَحْدَهُ












