حين ينصرف النهار

للبيوت قلبٌ لا يخفق إلا بمن يسكنها. وحين يجتمع الأحبة، تتسع الجدران على غير عادتها، كأنها تنسى حدودها، وتفسح مكانًا لكل هذا الفيض من الحياة. تمتلئ الغرف بخطوات تتعاقب دون نظام، وضحكات تتقاطع من غرفة إلى أخرى، وأصوات تتداخل حتى يصبح الضجيج نفسه صورةً من صور الطمأنينة. تتناثر الحكايات على المائدة كما تتناثر الأرغفة الدافئة، ويقاطع أحدنا الآخر، ثم يضحك الجميع لأن أحدًا لم يكن يريد أن يكون آخر المتكلمين. الأطفال يركضون، والكبار يستعيدون أعمارًا مضت، والليل يطول دون أن ينتبه إليه أحد، كأنه يجلس معنا هو الآخر، يصغي ولا يقاطع

 

في تلك الساعات يبدو الزمن كريمًا، ينساب خفيفًا بين الوجوه، فلا نشعر به إلا حين يبدأ في جمع أطراف يومه. عندها تتغير ملامح البيت على مهل؛ تُغلق الحقائب، وتُطوى الأغطية، ويعلو صوت الوداع أكثر مما ينبغي، لأن القلوب تؤجل الاعتراف بأن لحظة الفراق قد حانت. يغادر بعضهم حاملين رائحة البلد في حقائبهم، كأن الوطن يمكن أن يُطوى بين ثوب وآخر، ويعود آخرون محملين بغبار المطارات، وبشوقٍ ظل ينمو في الغربة حتى صار أكبر من الكلام

ثم ينصرف الجميع

لا يحدث ذلك دفعةً واحدة، بل كما ينحسر المد عن الشاطئ، تاركًا وراءه أصدافًا وأثر ماءٍ ولمعانًا حزينًا على الرمل. ينغلق الباب الأخير، وفي اللحظة نفسها أشعر كأن البيت يزفر زفرةً طويلة، ثم يستسلم لصمتٍ لم يكن موجودًا قبل دقائق

أمشي بين الغرف فلا أرى الفراغ، بل أرى ما تركته الحياة وراءها. كوبٌ لم يُغسل بعد، كرسيٌّ ما زال يحتفظ بانحناءة صاحبه، لعبةٌ نسيها طفل على عجل، ورائحة قهوة ما تزال تقاوم الهواء. الأشياء الصغيرة وحدها تعرف كيف تؤجل الغياب، وكيف تقنعنا بأن الذين رحلوا لم يبتعدوا كثيرًا

أجلس وحدي، فتبدأ الذاكرة في فتح أبوابها واحدًا بعد آخر. لا أستدعيها، هي التي تستدعيني. تعود الضحكات كما كانت، والهمسات كما قيلت، والسهرات التي كنا نظنها عادية فإذا بها تصبح، بعد رحيل أصحابها، أثمن ما نملك. حتى الخلافات الصغيرة تستعيد براءتها، فنبتسم لها كما نبتسم لصورة قديمة، لأن الزمن لا يحتفظ من الوجع إلا بما صار صالحًا للحنين

أرفع رأسي فأخال أحدهم سيعبر الممر بعد قليل، أو سيناديني من الغرفة المجاورة، أو سيضحك من طرف المائدة، لكن الصمت يسبق الجميع، فأدرك أن الذاكرة أكثر ازدحامًا من البيوت، وأن القلب أوسع من الأمكنة كلها

لذلك ليست الوحدة أن يبقى الإنسان وحده، بل أن يمتلئ المكان بكل الذين يحبهم، ثم لا يجد بينهم إلا آثارهم؛ أثر خطوة، وأثر ضحكة، وأثر يدٍ لوّحت طويلًا قبل أن تختفي. عندها فقط أفهم أن بعض الأيام لا تنتهي حين يغادر الناس، بل تبدأ من جديد كلما جلست وحدي، أستعيدها كاملة، ثم أستفيق منها كما يُستفاق من حلمٍ جميل… جميل إلى الحد الذي يترك في الروح وجعًا لا يراه أحد

 

راضية الطرابلسي/ تونس

 

Rahma Mohamed