
دوامة الإساءة لا تجبرنا عن التخلي عن ذواتنا
ليس من طبعنا ولا أخلاقنا ان نكون جزء من دوامة الإساءة حين تجبرنا الظروف على التخلي عن ذواتنا…
في خضم الحياة وتحدياتها، قد تدفعنا الظروف أحياناً إلى زوايا ضيقة، وتضعنا وجهاً لوجه مع أشخاص يتفنون في إيصالنا إلى أقصى درجات الضغط النفسي، في مثل هذه اللحظات الحرجة، قد تتوارى مبادئنا خلف غيمة الغضب، وتُسقط قسوة الموقف أقنعة التسامح التي طالما تزينا بها، فنجد أنفسنا نرد الإساءة بمثلها، ليس كرهاً في الأذية، بل ربما دفاعاً عن النفس أو تحت وطأة شعور الظلم…
وما إن نخرج من هذه الدوامة، وتنجلي غيمة الانفعال، حتى نعود إلى أنفسنا الحقيقية، وهنا تبدأ رحلة تأنيب الضمير، ننظر في المرآة لنسأل أنفسنا بصدق: “هل هذا نحن؟ هل هذه أخلاقنا التي تربينا عليها؟” ندرك حينها أننا قد انجرفنا إلى ساحة لا تشبهنا، وأن النزول إلى مستوى الإساءة كان خسارة لمعاركنا الأخلاقية قبل أن يكون انتصاراً لحظياً على من أذانا…
الاحتساب.. بلسم الروح
بعد أن تهدأ النفوس وتعود المياه إلى مجاريها، مالنا بعد الله عز وجل إلا أن نلجأ إلى سلاح الأقوياء: الاحتساب…
الاحتساب هو تفويض الأمر كله لرب العالمين، والثقة التامة بأنه العدل الذي لا يظلم أحداً…
هو ذلك البلسم الذي يداوي جروح الكرامة ويبرد حرارة القلب…
الاحتساب يعني أن تتخلى عن حقك الدنيوي لتستوفيه كاملاً ومضاعفاً في محكمة السماء، مستحضرين قوله تعالى: ﴿وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [الشورى: 43].
في النهاية، يبقى الترفع عن الصغائر والسمو بالأخلاق هما عنوان النبل الحقيقي، قد نضعف أحياناً وتجبرنا المواقف على رد الصاع صاعين، لكن العودة إلى الحق فضيلة، والاحتساب هو قمة الانتصار للنفس وللإنسانية.
د. محمد صالح القيسي
العراق/بغداد











