حين يصبح التواضع ذلا

راوية المصري..

 

المتكبر يظن أنه كلما ارتفع عن الناس، ازداد قيمة، لكنه لا يدرك أن أول ما يفقده في طريق الصعود الموهوم هو احترامهم. فالهيبة لا تُصنع بالتعالي، ولا المكانة تُفرض بالنظرات المتعجرفة أو الكلمات المتعالية.

 

أما المتواضع، فلا يحتاج إلى أن يعلن فضله أو يذكّر الناس بمنزلته. يكفي أن يجلس بينهم كما هو، فيكبر في أعينهم من حيث لا يقصد. فالتواضع ليس أن تُنكر ما لديك، بل أن تعرف قيمتك من دون أن تنتقص من قيمة غيرك.

 

غير أن للتواضع حدًا لا ينبغي تجاوزه. فالتواضع مع أصحاب النفوس الكبيرة يزيد صاحبه رفعة، أما مع المتكبر فقد يتحول إلى ذل، لأن المتكبر لا يقرأ الاحترام كما يقرؤه الكرام، بل يفسّره ضعفًا واستسلامًا، فيتمادى في غروره.

 

والحياة تُثبت دائمًا أن الأشجار المثمرة تنحني، بينما تقف اليابسة منتصبة حتى تكسرها أول ريح. وكذلك الإنسان؛ من امتلأ علمًا وأدبًا تواضع، ومن امتلأ غرورًا ظن أن الناس أصغر منه، فإذا به يصغر في قلوبهم.

 

لذلك لم يكن التواضع يومًا ضعفًا، ولم يكن الكبر يومًا قوة. فالمتواضع يربح القلوب ويحفظ كرامته، أما المتكبر، مهما علا، يبقى أسير غروره… وذلك هو الذل الحقيقي…