في محراب العشق عندما تتلاشى الدنيا أمام المحبوب

تتكرر في تراثنا العربي العريق حكايات العشاق، ولكن تظل مقولة قيس بن الملوح (مجنون ليلى) واحدة من أعمق العبارات التي لامست جوهر “المحبة” ومعانيها المطلقة، فذات يوم مرّ قيس بجماعةٍ من الناس وهم في صلاتهم مستغرقون في مناجاة ربهم، وكان هو هائماً يبحث عن أثرٍ لمحبوبته ليلى، حين عاد لاموه على مروره بهم دون أن يُشاركهم الصلاة، أجابهم بكلماتٍ خالدة تهز الوجدان:

“لو كنتم تحبون الله كما أحب ليلى، ما رأيتموني .. أنا كنت بين يدي قلب ليلى ولم أركم، وأنتم بين يدي الله ورأيتموني!”…

 

تضعنا هذه المقولة أمام تساؤل فلسفي ووجداني عميق عن حقيقة المحبة والتوجه القلبي، فالحب الصادق، سواء كان بشرياً سامياً أو إلهياً خالصاً، يتطلب استغراقاً كلياً يُلغي وجود الأشياء الأخرى من حول العاشق، فعندما أمتلئ قلب قيس بحب “ليلى”، يتلاشى العالم الخارجي بكل تفاصيله ومغرياته من دائرة اهتمامة، لا يرى ولا يسمع ولا يلتفت لأي مشتت لأن بوصلة روحه تتجه نحو نقطة واحدة فقط…

 

مفارقة العبادة والشهود، تكمن قوة الموقف في المفارقة العجيبة التي أشار إليها ابن الملوح، فالمُصلّون كانوا في قمة الاتصال مع الخالق، يفترض أنهم في معزلٍ تام عن الدنيا، ومع ذلك التفتوا وتركوا صلاتهم لمجرد مرور شخص عابر! بينما قيس (العاشق) الذي يتبع أثر محبوبته، كان في حالة “فناء” كامل، فلم تدركه عيناه ولم يلحظ من حوله أحداً…

 

هذا يوضح لنا أن المحبة الحقيقية وخاصة للذات الإلهية، وهذا ما اريد ان اصل بيه في مقالي هذا (هي حالة من الإخلاص المطلق والتركيز العميق) حيث يغيب العبد عن كل ما سوى معبوده، وتصبح جوارحه وقلبه مشغولين بالوصول إلى الغاية دون الالتفات لمغريات الطريق…

 

الحب في زمن التشتت في عالمنا اليوم، نحن في أمسّ الحاجة إلى استلهام هذا المعنى، ليس فقط في العشق العذري، بل في علاقتنا بكل ما نحب ونؤمن به، كم من مرة نقف لنؤدي مهامنا وعباداتنا وأعمالنا، وأرواحنا مشتتة معلقة بشؤون الدنيا وتفاصيلها التافهة؟ إن الحب الحقيقي يتطلب منا أن نكون حاضرين بقلوبنا وعقولنا، وأن نُسقط كل ما عدا المحبوب من حساباتنا، لكي نصل إلى حالة السكينة واليقين التي تُلغي كل ما حولنا…

 

إن مقولة “فأنا حب ليلى لم يجعلني أراكم” هي دعوة مجازية لنزع الشوائب من قلوبنا، وتوجيه طاقاتنا ومشاعرنا نحو الهدف الأسمى دون أن تسرقنا تفاصيل الحياة العابرة عن جوهر ما نحب.

 

د. محمد صالح القيسي

العراق / بغداد