
حبٌ
حبٌ
…….. 1
“أُحبُّ الحبَّ من اسمهِ، لا أعرفُ شكلَه أو رسمَه”
هكذا كانتْ تصدحُ. (شادية)
كيف لي أن أُخبرَها؟
أنّي عرفتُه من اسمِه ورسمهِ وطولهِ وعرضِه وحتى ملابسه الدّاخليةَ ارتديتُها مع ذلك مازال
عصيّاً على مداركي الكاهلةِ.
كأن يُقالُ إنّه خفقانٌ في القلبِ،
لماذا إذاً تضطرِبُ أعضائي كلّما رنَّ هاتفي بأسمِكِ؟
لِما أنا لستُ أنا كلَّما لمحتُكِ عن بُعدٍ؟
بتُّ أقرأُ سرّاً الكتبَ الّتي تشيِّرينَ إليها في كتاباتِكِ،
أتابعُ مسلسلاتِكِ الطّويلةَ المقيتةَ،
أشربُ القهوةَ الّتي لا تقوى معدتي عليها، لأهجرَ أباريقَ الشّاي.
تخلّيتُ عن أغاني (سعدي الحلي)،
ورحتُ أُحلِّقُ مع فيروز صباحاً،
وتكثرُ تنهّداتي كلَّما سمعتُ نجاة
وهي تلوكُني مساءً بـ (أيظن).
أبحثُ عن ماركةِ سجائركِ البيضاءَ بين رفوفِ البقالةِ،
تاركاً خلفي أعقاباً صفراءَ.
هل كلّ ذلك (حبّ) ولا أدري؟
…….. 2
المرأةُ الّتي قابلتُها صباحاً في متجرِ العطورِ كانت تقولُ:
“لا يُفسدُ العطرُ إلّا عطّاراً بارداً”
هل كانت تقصدُ بالباردِ ذلك الّذي لا يشمُّ عطرَ الأنثى عن بُعد ألفِ فرسخٍ؟
أم ذلك الذي لا يتعطَّرُ بعطرِ مسامِ جسدِ الأنثى قبل أن يخرجَ للعملِ؟
أم ذاك الّذي يبحثُ بين المتاجرِ عن ماركاتٍ عالميّةٍ ليهديَها إلى امرأةٍ ما؟
حقيقةً حيَّرني أمرُها، أمرُ الذُهولِ.
لذا ومن يومِها كسرتُ كلَّ قواريرَ العطرِ في خزانتي،
رحتُ (أحبُّ) عطرَ مسامِها كلَّما تشرَّبتْ في جسدي..!
…….. 3
في قُبلتِنا الأولى
أخذتْنا أشياؤنا للجحيمِ،
لنارِ النّمرودِ الأولى،
لكهوفِ نيكاراغوا وغاباتِ الأمازون.
عبرْنا خطَّ الاستواءِ بأقدامٍ حافيةٍ،
كانتِ الرِّيحُ تلفحُ وجهينا في صحراءِ الرّبعِ الخالي،
نتبادلُ الشّتائمَ والوسائدَ
باحترافيّةِ لاعبي التّنس ومدمني الماريجوانا.
كنا نشُّمُّ رائحةَ احتراقِ أعوادِ بخورِ المعابدِ،
ونراقصُ الصّوفيَّ في حفلةِ دفٍّ سماويّ خه هههه هههه ةٍ.
لم نصحُ إلاّ على صوتِ بائعِ (الروبريكيا)
وهو ينادي عن قلوبٍ مستعملةٍ للبيع
أو أجسادٍ فقدتْ عذريتَها.
رحتُ أركضُ خلفَه
وأُلَوِّحُ له بـ (حبٍّ) قديمٍ..!
…….. 4
ماذا لو قلتُ (أحبُّكَ)
لأختبئ فيها..؟
…….. 5
لا أدري هل للحبِّ مواصفاتٌ حسبَ القياسِ والسّيطرةِ النّوعيّةِ؟
لنفترضْ ذلك ونروحُ لأبعدَ من القولِ؛
كأن نرمي فوانيسَ الشّوارعِ بحصاةٍ
لعلّنا نعيدُ للسرّاقِ بعضَ هيبتهم،
نقشِّرُ لحاءَ أشجارِ (الديرم)
لنصبغَ بها وجهَ المدينةِ البائسِ.
نحلِّقُ بطيارةٍ ورقيةٍ
خيوطُها رموشُ غزالةٍ هاربةٍ،
أو حتى ربطُ أرجوحةٍ
حبلُها يمتدُّ بين نجمتين
ليتمرجحَ القمرُ.
ماذا لو نصنعُ من خيوطِ الشّمسِ
سلّماً نحو الهاويةِ
لنَحلِّقَ عانةَ النصِّ
لتنموَ بذورُ القصيدةِ.
نفطمُ ثديَ القلائد
حين يرتضعُها صدرُكِ بأمومةٍ كاذبةٍ،
نأخذُ زهوَ المجازِ
في لوحةٍ سرياليّةٍ
(دالي) كان مخموراً فيها.
نمتهنُ العبثَ
بحرفيّةِ (بروفيسكي)،
وجنونِ جاكسون
في قضيّةِ تحرّشٍ
بأفخاذِ راقصةٍ شرقيّةٍ.
نقتطعُ الجزءَ الأهمَّ
من رسائلِ كافكا لملينا،
أو حتّى فكُّّ شيفرةِ دافينشي،
وسرُّ ابتسامةٍ
في لوحةِ مونوليزا مسروقة.
من كلِّ ذلك
إعادةُ صفحةِ (غراس)
في ليلةٍ مظلمةٍ..!
…….. 6
كم يراودني هذا السّؤال:
هل الـ (حبّ) شمسيّةٌ أم قمريّةٌ؟
إن كانت شمسيّةً
لِما ألفظُها بتشديدٍ غريبٍ؟
وإن كانت قمريّةً
لِما لا تلفظُني المنافي
عند تخومِ الوطنِ السّليبِ؟
لكن على ما يبدو
أنّ الأمرَ ليس بهذه البساطةِ،
كونَ جميعُ الأشياءِ نكرةً
حتّى يأتي الـ (حبُّ)
لتعريفها.
…….. 7
هل تقوى أن تخيطَ فتقَ الماءِ،
تفتقُ بكارةَ الوقتِ الضّائعِ،
تفتِّتُ حجرَ الفلاسفةِ؟
تعسُّ أرغفةَ الصّبرِ
بفمِ عصافيرِ الجرائدِ،
ترتدي زغبَ المجازِ
ريشاً للقصائدِ.
تشقُّ لحمَ الأرضِ
بشيفرةِ جرّاحٍ متقاعدٍ،
تقطعُ شعرةَ المتقوِّلِ
بسيفٍ من قصبٍ.
تربطُ ذيلَ اللّيلِ
بلحيةِ النّهارِ،
تتجاهلُ (الآجل بنك)
ببحّةٍ داخل حسنٍ،
أو تكتبُ (غراس)
على لحمِك،
لينضجَ بلا نارٍ أو لهبٍ؟
إن كان كلُّ ذلك،
فأمرُ الـ (حبّ)
لا عجب..!
.
. حيدر غراس











