
الحب
الحب سلسلة من المشاعر الذهنية والوجدانية التي تتوالد في أعماق النفس، ثم تتصبب قطرةً بعد قطرة، حتى يمتلئ نهرها بالاشتياق، ويتسع مجراه إلى أن يبلغ بالمحب منزلةً لا يعود فيها يملك من أمر قلبه شيئًا، يبدأ خاطرةً عابرة، ثم يصبح ميلًا، فأنسًا، فتعلقًا، حتى يتحول إلى رغبة عميقة في الاقتراب والانصهار، وكأنه لا يكتمل إلا بحضور محبوبه.
وهو في بداياته إحساس رقيق يوقظ في الإنسان أجمل ما فيه؛ فيجعله أكثر صفاءً، وأشد انتباهًا للتفاصيل، وأكثر قدرة على رؤية الجمال في الأشياء، غير أن هذا الشعور، إذا تجاوز حدّه، قد يتحول من نعمة إلى محنة، ومن ماء يروي القلب إلى سيل يجرفه بعيدًا عن اتزانه.
فالمحب قد يبلغ من التعلق بالمحبوب حدًّا يجعله يغض الطرف عن عيوبه، ويتنازل من أجله عن كثير مما كان يعدّه من ثوابته، وربما سار إليه ولو كان الطريق محفوفًا بالمخاطر، حيث يكمن وجه آخر للحب؛ فليس كل محبوب مأمون الجانب، وليس كل قلب نميل إليه جديرًا بأن نضع بين يديه أرواحنا.
قد يكون المحبوب بوثقةً مسيجةً بلهيب جهنم، وقد سبقه إلى النار من ظنوا أن الاقتراب منه خلاص، فإذا بهم يحترقون في نار التعلق، وحينئذ لا يعود السؤال: كم نحب؟ وإنما يصبح السؤال: من نحب، وإلى أين يقودنا هذا الحب؟
إن الحب لا ينبغي أن يكون إلغاءً للعقل، ولا استسلامًا أعمى للعاطفة، أجمله ما جمع بين حرارة القلب وبصيرة العقل، وما جعل المحب أكثر إنسانية لا أكثر ضعفًا، وأكثر كرامة لا أكثر انكسارًا. فالقلب قد يشتاق، وقد يتمنى، وقد يرغب في الانصهار، لكن على العقل أن يبقى حاضرًا ليقول له: تمهّل، فليس كل ما تهواه النفس يستحق أن تُلقي إليه بنفسك.
هكذا يظل نهرًا عجيبًا؛ يبدأ قطرةً في الوجدان، ثم يجري في مجاري الاشتياق، وقد يروي صاحبه إذا أحسن اختيار مجراه، وقد يغرقه إذا اندفع به نحو هاوية لا قرار لها. ولذلك ليس الخطر في أن نحب، فهو في أن نفقد أنفسنا ونحن نحب.
حميد بركي
رفعت للتصميم













