مبادئ الرجولة في القرآن الكريم

ليست الرجولة في ميزان القرآن الكريم قوةً في الجسد، ولا غلظةً في الطبع، ولا قدرةً على قهر الآخرين، وإنما هي مبدأٌ أخلاقيٌّ وإيمانيٌّ يقوم على صدق العهد، وثبات الموقف، وتحمل المسؤولية، ونصرة الحق، والوفاء بما عاهد الإنسانُ اللهَ عليه.

 

ولعل أبلغ ما يصوّر حقيقة الرجولة قول الله تعالى:

﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ۖ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب: 23].

 

فالرجولة هنا مرتبطة أولًا بالصدق؛ صدق الإيمان، وصدق العهد، وصدق الموقف. والرجل الحق ليس من يكثر الكلام عن مبادئه، وإنما من يثبت عليها حين تختبره الحياة، فلا يتغير بتغير المصالح، ولا يبيع مواقفه من أجل منفعة عابرة.

 

ومن أعظم مبادئ الرجولة الوفاء بالعهد؛ فالقرآن يجعل الوفاء مسؤولية أخلاقية ودينية، يقول سبحانه:

﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ ۖ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: 34].

 

والرجولة كذلك أمانةٌ ومسؤولية، وليست امتيازًا أو تسلطًا. وقد أثنى الله تعالى على موسى عليه السلام حين قالت إحدى المرأتين لأبيها:

﴿يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ ۖ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ [القصص: 26].

 

فالقوة وحدها لا تكفي لصناعة الرجل؛ إذ لا بد أن تقترن بالأمانة. قوةٌ تحمي ولا تظلم، وقدرةٌ تنفع ولا تستعبد، وشجاعةٌ تقف مع الحق ولا تتطاول على الضعفاء.

 

ومن الرجولة الشجاعة في قول الحق، والثبات عليه، وعدم الخضوع للباطل خوفًا أو طمعًا. قال تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ [النساء: 135].

 

فالرجل الذي يصدق مع نفسه لا يجعل القرابة ولا الصداقة ولا المصلحة سببًا لترك العدل. وقد تكون أصعب شجاعة أن يقول الإنسان الحق حين يكون الحق عليه، لا حين يكون له.

 

ومن الرجولة أيضًا ضبط النفس عند الغضب؛ لأن القوي من يملك نفسه حين تثور مشاعره. قال تعالى في وصف أهل التقوى:

﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: 134].

 

ومن الرجولة حماية الضعيف وإغاثة المحتاج، لا استغلال ضعفه. وقد ضرب القرآن مثلًا عظيمًا في شهامة موسى عليه السلام حين وجد امرأتين تمنعان غنمهما عن الماء، فسألهما ثم سقى لهما، قال تعالى:

﴿فَسَقَىٰ لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّىٰ إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ [القصص: 24].

 

ومن الرجولة التواضع؛ فالرجل العظيم لا يحتاج إلى إذلال غيره ليشعر بعظمته. قال تعالى:

﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَٰنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ [الفرقان: 63].

 

ومن الرجولة الصبر عند الشدائد؛ لأن الرجال تُعرف معادنهم حين تضيق السبل وتشتد المحن. قال تعالى:

﴿وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ ۗ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [البقرة: 177].

 

والرجولة في القرآن قبل القوة أو المواجهة، فهي في الحياء والعفة وصيانة الكرامة. قال تعالى في وصف رجالٍ عظماء:

﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ﴾ [النور: 37].

 

فهؤلاء رجالٌ لم تمنعهم الدنيا من الوفاء بحق الله، ولم تجعلهم التجارة والمال أسرى للشهوة والمصلحة.

 

وتبلغ الرجولة كمالها حين يجتمع الإيمان والصدق والوفاء والشجاعة والأمانة والرحمة والعفو والصبر. ولذلك لم يجعل القرآن الرجولة لقبًا اجتماعيًا يتباهى به الإنسان، فقد جعلها سلوكًا وموقفًا ومسؤولية.

 

فهي أن تكون رجلًا حين تعِد فتفي، وحين تؤتمن تحفظ الأمانة، وحين تقدر تعفو، وحين تغضب تضبط نفسك، وحين ترى ظلمًا تنصر المظلوم، وحين تواجه الحق لا تفر منه، وحين تضيق بك الحياة لا تبدّل عهدك.

 

ولهذا ختم الله وصف رجال سورة الأحزاب بقوله:

﴿وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾.

 

وهذه، في جوهرها، خلاصة الرجولة القرآنية: أن يظل الإنسان وفيًّا لمبدئه حين تتغير الظروف، ثابتًا على الحق حين يتراجع الآخرون، صادقًا مع الله ومع نفسه ومع الناس، فلا تبدّله الدنيا ولا تكسره المحن ولا تشتريه المصالح

 

للاإيمانالشباني.

رفعت للتصميم