
النقد الأدبي بين صحافة النهضة ومنابر التواصل.
النقد الأدبي بين صحافة النهضة ومنابر التواصل.
فِي عَصْرِ النَّهْضَةِ الْعِلْمِيَّةِ الَّتِي بِوَاسِطَتِهَا انْبَعَثَتِ الْحَرَكَاتُ الْأَدَبِيَّةُ وَالْفَنِّيَّةُ مِنْ رُقَادِهَا الْعَمِيقِ وَسُبَاتِهَا الْغَرِيقِ، كَانَتِ الطِّبَاعَةُ مِنْ أَهَمِّ مَظَاهِرِ النَّهْضَةِ وَاقْتَضَتِ الطَّبِيعَةُ أَنْ تُصَاحِبَ الصَّحَافَةُ الطِّبَاعَةَ، فَانْتَشَرَتِ الصَّحَائِفُ وَالْمَجَلَّاتُ. وَكَانَ الصَّحَفِيُّونَ يُخَصِّصُونَ عِدَّةَ صَفَحَاتٍ لِلْمَقَالَاتِ الْأَدَبِيَّةِ وَالنَّقْدِيَّةِ، أَمَّا الْمَجَلَّاتُ فَقَدْ خُصِّصَ بَعْضُهَا لِمَقَالَاتٍ أَدَبِيَّةٍ وَنَقْدِيَّةٍ.
كَانَ الْأُدَبَاءُ يَغْتَنِمُونَ كُلَّ الْفُرَصِ الْمُتَاحَةِ لِإِبْدَاءِ إِنْتَاجَاتِهِمُ الْأَدَبِيَّةِ مِنْ شِعْرٍ وَنَثْرٍ، وَمَا فَتِئَ النُّقَّادُ كَذَلِكَ يَتَنَاوَلُونَ هَذِهِ الْإِنْتَاجَاتِ بِالدِّرَاسَةِ تَحْلِيلًا وَنَقْدًا، وَلِذَلِكَ ظَهَرَتِ الْحَرَكَاتُ الْأَدَبِيَّةُ بَيْنَهُمْ، مِثْلَ تِلْكَ الَّتِي وُجِدَتْ بَيْنَ أَحْمَدَ أَمِينَ وَالدُّكْتُورِ زَكِيِّ مُبَارَكٍ، لَمَّا نَشَرَ الْأَوَّلُ مَقَالَةً مَعْنَوَنَةً بِـ”أَدَبِ الرُّوحِ وَأَدَبِ الْمَائِدَةِ” وَأُخْرَى بِعُنْوَانِ “جِنَايَةِ الْأَدَبِ الْجَاهِلِيِّ عَلَى الْأَدَبِ الْعَرَبِيِّ” فِي مَجَلَّةِ الثَّقَافَةِ مَا بَيْنَ مَايُو وَيُونْيُو مِنْ سَنَةِ ١٩٣٩م. فَجَاءَ الرَّدُّ مِنَ الدُّكْتُورِ زَكِيِّ مُبَارَكٍ سِجَالًا، حَيْثُ كَانَ يَنْشُرُ مَقَالَاتِهِ الْمَعْنَوَنَةَ “جِنَايَةَ أَحْمَدَ أَمِينَ عَلَى الْأَدَبِ الْعَرَبِيِّ” فِي مَجَلَّةِ الرِّسَالَةِ مِنْ شَهْرِ يُونْيُو إِلَى شَهْرِ نُوفَمْبَرَ مِنْ نَفْسِ السَّنَةِ. وَأَمْثَالُ ذَلِكَ كَثِيرٌ.
هَكَذَا دَأَبَ الْقَوْمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِلْمَ أَمَانَةً وَآمَنُوا بِأَنَّ دِرَاسَةَ الْأَدَبِ الْعَرَبِيِّ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ حِفْظِ الْقَصَائِدِ لِتُنْشَدَ، بَلْ إِنَّهَا قَنْطَرَةٌ تُوَصِّلُ الْمُهْتَمَّ وَالْمُعْتَنِيَ بِهَا إِلَى فَهْمِ أَلْفَاظِ أَعْظَمِ كِتَابٍ أُنْزِلَ، فَمَا إنْ سَنَحَتْ لَهُمْ فُرْصَةٌ لِنَشْرِ نَصٍّ أَوْ تَقْوِيمِهِ إِلَّا اغْتَنَمُوهَا.
وَفِي عَصْرِنَا الْحَاضِرِ، ظَلَّتْ وَسَائِلُ التَّوَاصِلِ الِاجْتِمَاعِيِّ فِي وِجْدَانِنَا وَأَبْوَابُهَا مَفْتُوحَةً عَلَى وُجُوهِنَا حَتَّى وُجِدَ مِنْهَا مَا كَانَ مَجَّانًا، وَعَلَى رَغْمِ ذَلِكَ لَمْ نَسْتَثْمِرْهَا حَقَّ اسْتِثْمَارٍ.
وَإِنْ كَانَ الشُّعَرَاءُ يَنْشُرُونَ إِنْتَاجَاتِهِمُ الشِّعْرِيَّةَ عَبْرَ هَذِهِ الْوَسَائِلِ فَالْأَمْرُ مَعْكُوسٌ عِنْدَ النُّقَّادِ؛ فَكُلُّ مَنْ نَشَرَ قَصِيدَةً مَهْمَا ظَهَرَتْ أَمَارَاتُ الرَّدَاءَةِ وَالِابْتِذَالِ عَلَى تِلْكَ الْقَصِيدَةِ فَإِنَّهُ يُحَبَّذُ مِنْ غَيْرِ تَقْوِيمٍ وَلَا تَعْدِيلٍ، وَهَذَا يَضُرُّ بِالشِّعْرِ وَأَهْلِهِ كَمَا يَضُرُّ اللَّحْنُ بِالنُّحَاةِ.
وَلَا تَرَاهُمْ يَنْقُدُونَ الْأَشْعَارَ إِلَّا إِذَا كَانَ فِي هِجَاءِ مَشَايِخِهِمْ، وَكُلُّ مَا كُتِبَ مَدْحًا فِي هَؤُلَاءِ الْمَشَايِخِ فَيَعْتَبِرُونَهُ عَيْنَ الشِّعْرِ وَلَوْ لَمْ يَزِنْ جَنَاحَ ذُبَابٍ فِي الْمِيزَانِ.
أَيُّهَا النُّقَّادُ، إِنَّ خَانَاتِ التَّعْلِيقَاتِ كَصَفَحَاتِ الْمَجَلَّاتِ، فَأَبْدُوا مُلَاحَظَاتِكُمْ تُجَاهَ كُلِّ نَصٍّ شِعْرِيٍّ، وَلَا تَكْتَفُوا بِمُجَرَّدِ التَّحْبِيذ وَالتَّشْجِيعِ دُونَ الْإِشَارَةِ إِلَى مَحَلِّ الضَّعْفِ لِيُطَوِّرَهُ الْأَدِيبُ الْمُبْدِعُ.
وَاعْلَمُوا أَنّهُ إِذَا غَابَ النَّقْدُ مَاتَ الْإِبْداعُ، فَأَنْقِذُوا الشِّعْرَ بِالنَّقْدِ!!!
وَيَا أَيُّهَا الشُّعَرَاءُ، إِنَّ أَفْضَلَ مُجَاهِدٍ هُوَ الَّذِي اسْتُشْهِدَ، وَخَيْرَ الشُّهَدَاءِ هُوَ الَّذِي لَمْ تَتْرُكْ أَسْلِحَةُ الْعِدَى فِي جَسَدِهِ مَوْضِعَ إِصْبَعٍ إِلَّا وَقَدْ طَعَنَتْهُ، وَكَذَلِكَ الشِّعْرُ بَيْنَ يَدَيْ النُّقَّادِ؛ فَكَثْرَةُ النَّقْدِ الْمُوَجَّهِ إِلَى نَصٍّ مِنَ النُّصُوصِ دَلَالَةٌ عَلَى اهْتِمَامِ النُّقَّادِ بِذَلِكَ النَّصِّ، وَمَا كَانُوا لِيَهْتَمُّوا بِالْقُشُورِ دُونَ اللُّبَابِ.
فَالنَّقْدَ النَّقْدَ النَّقْدَ!!!
السيد سعيد كمال الدين
رفعت للتصميم












